باب من الرواية

الباب الرابع: المشافي الصغيرة… رتق الجسد حتى لا ينكسر الروح

الفصل السابع والعشرون — السنة الثانية من حكم صفية

وكان المرض من أكثر الأبواب التي تؤذي البلاد بصمت.

لا لأنه يقتل فقط، بل لأنه يُشعر الناس بالعجز إذا صار الشفاء بعيدًا، أو الدواء نادرًا، أو الرحلة إليه أشق من احتماله.

ولذلك رأت صفية أن الحديث عن العدل لا يتم إذا بقيت بعض القرى على حالٍ لا يجد فيها المرء من يداوي حُمّاه أو جرحه أو ولادة نسائه إلا على بُعد أيام.

ولم يكن في البوسنة يومئذٍ ما يكفي من مؤسسات كبيرة، لكنّ صفية لم تنتظر الكمال حتى تبدأ.

قالت:

— إذا لم نستطع مشافي عظيمة الآن، فلتكن مواضع صغيرة صادقة، فيها دواءٌ أساسي، وامرأةٌ تعرف الولادات، ورجلٌ أمين يعرف الجراح الأولى، وسجلٌّ يحفظ ما ينقص.

في قريةٍ جبلية بعيدة، كان الناس إذا اشتدت على امرأةٍ ولادتها أرسلوا إليها من يعرف شيئًا من ذلك، ثم بقوا بين خوفٍ ودعاء، وقد لا يدركون أحدًا إن تعقد الأمر.

فلما وصلهم خبر الموضع الجديد الصغير الذي يضم بعض العلاجات والأدوات والنساء الخبيرات، بكوا من أثر الراحة قبل أن يجربوه.

وكان هذا من تلك الأشياء التي لا يراها أصحاب الصخب السياسي، لكنها تغير صورة الدولة في قلب الناس أكثر من مئة خطاب.

وفي مساءٍ رجعت فيه صفية من مجلس نسائي طويل، قالت لسعيد:

— أكثر ما أخشاه في البلاد ألا يسمع الرجال آلام النساء إلا إذا صارت جنازات.

فقال:

— ولهذا أنتِ تسمعينها قبل ذلك.

قالت:

— لا أريد أن أكون سامعةً فقط.

فقال:

— وأنا لا أريدكِ كذلك.

ثم أضاف:

— لهذا نعطيها من الوقف موضعًا.

فقالت:

— نعم… حتى لا تبقى الولادة والموت قرينين في أذهان الفقيرات.

وكانت هذه الجملة وحدها تصف طبقةً كاملة من الوعي الذي دخل به بيت الحكم إلى حياة النساء.