باب من الرواية

الباب الثاني: الوقف الذي خرج من النية إلى البنية

الفصل السابع والعشرون — السنة الثانية من حكم صفية

كان أكثر ما شغل صفية في هذه السنة الوقف.

لا لأنه جديدٌ على روحها، بل لأنه الباب الذي رأت فيه لأول مرة كيف يمكن للرحمة أن تتحول من خلقٍ فردي إلى عمود دولة.

لم تكن ترى الوقف زينةً من زينات الحضارة، ولا أثرًا لطيفًا يُكتب في أخبار الملوك لتُحمد سيرتهم، بل كانت تراه شيئًا أشد تواضعًا وأشد أهمية في الوقت نفسه:

حائطَ الكرامة.

فالفقير إذا أُعطي اليوم شكر، لكنه قد يهان غدًا إذا اضطر أن يمد يده من جديد.

أما إذا صار له حقٌّ ثابتٌ في مالٍ محفوظ، لا يتوقف على مزاج هذا الأمير أو سخاء تلك السيدة أو مناسبة عابرة، فإن قلبه نفسه يتنفس بطريقةٍ أخرى.

ولهذا أعادت في هذه السنة النظر في الأوقاف القائمة.

لم تكتفِ بأن تقول: هذه أوقاف قائمة والحمد لله، بل سألت:

هل تصل حقًا؟

هل تُسرق منها أطرافٌ صغيرة لا ينتبه إليها أحد؟

هل يعرف أهل القرى البعيدة أن لهم فيها نصيبًا؟

هل يرتبط بعضها بالعلم كما ينبغي؟

هل تُترجم بعض الغلال إلى خبزٍ منتظم بدل عطايا متقطعة؟

ودعت إلى مجلسٍ صغير جمع تقي الدين، وبعض الكتبة، ورجلين معروفين بالأمانة أكثر من الذكاء، لأنها كانت تقول:

— الذكاء بلا أمانة يسرق أكثر مما يبني.

ثم وضعت أمامهم خرائط بسيطة للأراضي والموارد وأسماء المصارف، وقالت:

— لا أريد أن يبقى الوقف كلامًا كبيرًا يضيع في الطريق. أريد لكل شجرةٍ ولغلتها اسمًا، ولكل درهمٍ موضعًا، ولكل قريةٍ سجلًا.

اعترض كاتبٌ عجوز كان معتادًا على الفوضى المؤدبة، وقال:

— يا سيدتي، هذا يثقل العمل.

فنظرت إليه نظرةً هادئة وقالت:

— أثقل من أن يضيع حق الأرامل؟

فسكت الرجل.

ثم قالت:

— ما كان يثقل العمل إذا حفظ الحق، فهو خفيف.

وفي تلك الأسابيع، خرج الوقف عندها من باب العاطفة إلى باب العمارة الإدارية.

وربطت بعضه بالمشافي الصغيرة، حتى لا يبقى المرضى على حافة الموت في القرى ينتظرون قافلةً عابرة.

قال لها سعيد بعد أحد هذه المجالس:

— أراكِ تنظرين إلى الوقف كما لو أنه جيش.

فقالت:

— هو جيش.

— كيف؟

— لأن البلاد لا يحميها من العدو الخارجي فقط من يحمل السيف، بل من يمنع الداخل أن ينهار جوعًا وذلًا.

فهز رأسه، وقال:

— إذن هذا جيشٌ لا يرى الناس سيوفه.

فقالت:

— لكنه يبقي سيوفهم مرفوعةً يوم يحتاجونها.