باب من الرواية

الباب السابع: الطريق الطويل… كيف تُختبر العائلة الكبيرة وهي تمضي بين بلدين

الفصل الثالث والعشرون — الخروج من بخارستان إلى البوسنة

لم تكن الطريق إلى البوسنة طريقًا تُقطع في يومٍ واحد، ولا على مهلٍ خالٍ من المشقة.

كانت رحلةً تحتاج إلى صبرٍ من نوعٍ آخر؛

صبر الرجال على التدبير واليقظة،

وصبر النساء على الأطفال والتعب والحمل،

وصبر الصغار على المجهول الذي لا يفهمونه كاملًا.

في الأيام الأولى، كان الأطفال مأخوذين بمتعة الحركة وتغير المشاهد.

عبدالملك يطيل النظر إلى الطريق، ويسأل قليلًا لكنه يفهم كثيرًا من العيون.

أحمد لا يملّ من السؤال عن كل شيء.

محمد ومريم يتناوبان بين النوم والانتباه والدهشة.

عبدالله يتعلق حينًا بأبيه وحينًا بجده.

أما خديجة وعائشة، فكانتا في سنٍّ تجعل السفر عندهما خليطًا من التعب والفضول والبكاء المفاجئ.

وكانت صفية، وهي حامل بفاطمة، تقاسي من الطريق ما لا تشتكي منه كثيرًا.

تُخفي بعض ألمها حتى لا تضيف إلى أعباء الرجال عبئًا، وتبتسم للصغار إذا اضطربوا، وتطلب الماء بهدوء، وتكتفي بالصمت إذا اشتد التعب.

لكن مريم كانت تعرفها من وجهها، وفاطمة أم سعيد كانت تعرفها من يدها إذا أمسكت شيئًا ثم أطلقته سريعًا من الوهن.

لذلك كانتا تتناوبان على خدمتها من غير ضجيج.

وفي إحدى محطات التوقف، جلسوا قرب جدول ماءٍ صغير ليستريحوا.

وكان الغروب قد صبغ السماء بلونٍ حزين جميل.

جلس عبدالملك إلى جوار جده تقي الدين، وسأله فجأة:

— هل البوسنة بعيدة لأن الله يريدنا أن نتعب إليها؟

فنظر تقي الدين إليه طويلاً، ثم قال:

— أحيانًا تكون المسافات الطويلة امتحانًا لما إذا كان القلب يريد الشيء حقًا.

فقال الطفل:

— وأنا أريده لأنكم تريدونه.

فهز تقي الدين رأسه ببطء، وشعر أن أولاد هذا البيت يبدؤون الشرب من النبع الصحيح.

أما في الليل، فكانت القافلة تتوقف حيث يتهيأ لها الأمان.

تُضرب الخيام أو تُرتّب أماكن الراحة في النزل العابرة، ويُصلَّى، ويُطعَم الصغار، وتُراجع أحوال الخيل والزاد.

وفي إحدى الليالي اشتدّ المطر، واهتزت بعض الأغطية، وبكى الصغار، فكانت تلك من اللحظات التي يظهر فيها معدن البيوت.

لم يصرخ أحد، ولم يتحول الاضطراب إلى فوضى.

سعيد يثبت الرجال ويطمئن الأطفال،

تقي الدين يراجع ما يلزم من حراسة،

النساء يجمعن الصغار في كتلة دفء واحدة،

وصفية، على رغم تعبها، كانت تمسح على رؤوسهم واحدًا واحدًا حتى هدؤوا.

وكانت تلك الليلة نفسها درسًا صغيرًا في معنى الأسرة الرسالية:

أن تكون الرحلة شاقة، لكن البيت لا يتفكك.