لم تطل السنون حتى عاد الرحم إلى رسالته من جديد.
وكان البيت، بعد أن استقر شيئًا، قد دخل في نسقه اليومي:
صلاة،
وعمل في الأرض،
وبناء يكتمل على مهل،
ومجلس مساء،
وضوء صباح،
وصغيرٌ أول يملأ الفراغ بالحركة والأنين والابتسامات الناشئة.
وفي هذا النسق الهادئ، بدأت صفية تشعر بتغيرٍ مألوفٍ يعود إليها، لكنه هذه المرة لم يأتِ مصحوبًا بالرهبة القديمة كما جاء حمل عبدالملك، بل جاء وفي داخله شيءٌ من الألفة.
صارت تتعب بسرعةٍ أكبر، وتشمّ الروائح بقوةٍ مزعجة، ويغلبها سكونٌ خاص بعد صلاة الظهر، حتى التقطت فاطمة أم سعيد الأمر قبل أن تتأكد هي.
قالت لها ذات صباح وهي تراها تدفع الطبق بعيدًا:
— أهذه عودةُ القصة نفسها؟
فاحمرّ وجه صفية، وقالت:
— لا أعلم بعد.
فقالت فاطمة مبتسمة:
— بل أعلم أنا من وجهك.
وحين ثبت الحمل، لم يكن الفرح في البيت أقل مما كان مع عبدالملك، لكنه كان فرحًا مختلفًا.
الأول كان معجزة البداية، والثاني كان إعلان الاستمرار.
قال سعيد حين أخبرته:
— إذن فالبيت أخذ يتكلم بلسانه.
فضحكت صفية وقالت:
— وما لسان البيت؟
فقال:
— صغاره.
أما عبدالملك، فكان لا يزال صغيرًا على أن يفهم معنى الحمل، لكنه كان يشعر أن شيئًا ما تغير في أمه.
صار يتعلق بها أكثر، ويطلب حضنها بإلحاح، ويغضب إذا طالت وقفته في حضن غيرها.
وكانت صفية ترى ذلك، فتشعر بوخزةٍ عاطفية خفية:
كيف تستطيع الأم أن تتسع لقلبين، ثم ثلاثة، ثم أكثر، من غير أن يضيق بعضها ببعض؟
وكانت مريم تجيبها من غير أن تسأل:
— الأمومة لا تقسم القلب يا ابنتي… الأمومة توسّعه.
وفي إحدى الليالي، خرجت صفية إلى الساحة وهي في أول حملها بأحمد، فوجدت سعيدًا جالسًا يصلح شيئًا من لجام حصانٍ جديد كان قد اشتراه للمزرعة.
جلست قربه وقالت:
— ماذا لو كثروا علينا يا سعيد؟
فنظر إليها مبتسمًا وقال:
— من؟
قالت:
— الأولاد.
فضحك وقال:
— وهل تقولينها بخوف أم برجاء؟
قالت:
— بالاثنين معًا.
فقال وهو يعيد الخيط في موضعه:
— البيت الذي بُني على هذا القدر من الدعاء لا يضيق بأهله.
ثم نظر إلى بطنها التي لم يظهر فيها شيءٌ بعد، وقال:
— لعل هذا يكون أشبه بي منكِ.
فقالت بسرعة:
— لا.
قال:
— ولماذا هذا الاعتراض السريع؟
قالت:
— لأن طباعك شديدة.
فقال ضاحكًا:
— إذن ليكن أشبه بك، لكن في الشجاعة لا في كثرة البكاء.
فقالت، وقد ضحكت هي أيضًا:
— أنا أبكي لأنني أعرف قيمة ما عندي.
فقال:
— ولهذا أحبكِ.
وهكذا دخل أحمد إلى الرواية أولًا في صورة حملٍ هادئ، لم يأتِ ليزاحم أخاه، بل ليؤكد أن البيت الذي بدأ بمولودٍ أول ليس بيت مصادفة، بل بيت سلالة.