منذ الأيام الأولى لعودة عبدالملك، بدا واضحًا أن البيت في بخارستان لا يريد أن يكون مجرد بيتٍ سعيد يفرح بالصغار ثم يتركهم للسنين كيف تشاء.
بل كانت هناك في قلب سعيد، وفي عقل تقي الدين، وفي حدس صفية نفسها، فلسفةٌ آخذة في التشكل:
أن هؤلاء الأطفال لن يُربَّوا على الدفء وحده، بل على المعنى.
في إحدى الليالي، وكان عبدالملك قد بدأ يهدأ في نومه الطويل، جلس سعيد مع تقي الدين في ساحة البيت الداخلية بعد صلاة العشاء.
كان القمر يعلو السطح الجديد، وصوت الماء من الجدول القريب يأتي خافتًا كأن الليل يقرأ على مسامعهم شيئًا من الطمأنينة.
قال سعيد وهو ينظر إلى الغرفة التي تنام فيها صفية وولدها:
— يا عم، الطفل الأول يعلّم الرجل أشياء لم يكن يعرف أنه يجهلها.
فقال تقي الدين:
— كأنك اكتشفت أنك كنت رجلًا ناقصًا قبل أن يصير لك ولد؟
فضحك سعيد وقال:
— نعم، أو نصف رجل.
فقال تقي الدين:
— لا، بل كنت رجلًا في طريقه إلى تمامٍ آخر.
ثم سكتا قليلًا، قبل أن يقول سعيد بنبرةٍ تميل إلى التأمل:
— أفكر من الآن كيف ينبغي أن نربيه.
قال تقي الدين:
— ليس هو وحده.
رفع سعيد عينيه إليه.
فأكمل:
— البيت إذا بدأ لا يقف عند ولدٍ واحد.
ثم أشار إلى المسجد القريب وقال:
— أول ما ينبغي أن يسمعه القرآن.
وأشار إلى السهل الممتد أمامهما وقال:
— ثم يعرف الأرض بقدميه.
وأشار إلى الجبال البعيدة وقال:
— ثم يرى من بعيد ما يعلّمه معنى العلو والمشقة.
وأخيرًا مدّ يده كأنه يقبض على شيءٍ غير موجود بعد وقال:
— فإذا اشتد عظمه، عرف الفروسية لا لعبًا بل خلقًا.
كان الكلام يهبط على سعيد كما يهبط الماء على أرضٍ عطشى.
أما صفية، فقد كانت خلف الباب تسمع بعضه وهي ترضع ولدها.
وحين دخل عليها سعيد بعد ذلك، وجدها شاردةً على غير عادتها.
فقال:
— فيمِ تفكرين؟
قالت وهي تنظر إلى عبدالملك:
— أفكر أنكم تتكلمون عن الجبال والسيوف، وأنا ما زلت أفكر في كيفية نومه بعد الرضاعة.
فضحك وقال:
— لأن الله قسم الأدوار بين القلوب.
فقالت:
— لا، بل لأن الأم ترى البدايات صغيرة جدًا، بينما يرى الرجال النهايات بعيدة جدًا.
فقال:
— وكلانا يحتاج الآخر إذن.
فأومأت، ثم قالت وهي تضم الطفل أكثر:
— ليكن ما تريدون من الفروسية بعد أعوام… أما الآن، فليكن أول ما يتعلمه من الدنيا أنه محبوب.
وكان هذا الجواب من صفية أصلًا آخر من أصول البيت:
أن التربية الصلبة لا تقوم على القسوة، بل على محبةٍ واعية.
وهكذا بدأت فلسفة بخارستان تنسج خيوطها:
رحمةُ الأم،
ورؤيةُ الأب،
وخبرةُ الجد،
ودعاءُ الأمّين،
ثم يأتي بعد ذلك الأطفال ليملأوا هذا الإطار بالأصوات والحركة والفتنة الجميلة.