انعقد بعد ذلك بوقتٍ قصير مجلسٌ آخر، لكنه لم يكن مجلس تدبير، بل مجلس ارتباك.
كان في غرفةٍ ضيقة، ستائرها مسدلة، والوجوه فيه متعبة من السهر والريبة، لا من الندم.
فالندم لم يكن من معدنهم أصلًا، وإنما الذي أصابهم هو الخوف:
الخوف من الفضيحة،
من أن تنهار حلقةٌ فيتكشف ما وراءها،
من أن يسقط أحدهم في الطريق فيجرّ معه أسماءً وأسرارًا ومعاملاتٍ قديمة.
جلس العجوز الذي ظل سنوات يتصرف كأنه صاحب الخيوط كلها في صدر المكان، لكنه لم يكن يومئذٍ مهيبًا كما كان يدّعي، بل بدا كمن أثقلته الأيام حتى ظهر ضعفه على زاوية فمه المرتجفة.
قال وهو يحاول أن يستجمع نبرة السيطرة:
— لا تُكثروا من الوهم. ما مضى قد مضى.
فردت عليه امرأةٌ كانت تعرف من السرّ أكثر مما ينبغي:
— الذي مضى لا يمضي إذا عاد أهله إليه.
فقال بحدة:
— تقصدين ماذا؟
قالت:
— أقصد أن صفية الآن عند أبيها. لا عند أولئك الذين يمكن تخويفهم بشائعة أو ضغطهم بنظرة.
فساد صمتٌ ثقيل.
ثم قال رجلٌ آخر، كان في السابق أكثرهم تفاخرًا بقوته:
— نحن لا نخاف من امرأة.
فانفجرت ضحكةٌ قصيرة يابسة من زاوية المجلس، ثم قال صوتٌ خافت:
— لا… نحن نخاف من الحق إذا وقف خلفها.
وهذه الجملة كانت من تلك الجمل التي إذا نزلت على القوم أظهرت لهم ما فيهم من هشاشة.
فكل واحدٍ في المجلس كان يعرف أن دوره لم يكن بريئًا، وأنه لو وُضع وحده أمام الحقيقة فلن يقدر على حملها.
ثم بدأ الاتهام الصغير.
ولم يكن اتهامًا صريحًا في أول الأمر، بل أسئلةً ملفوفة، من نوع:
من الذي احتفظ بالرسائل؟
من الذي كلّم فلانًا دون علمنا؟
من الذي عاد إلى القرية القديمة أكثر من اللازم؟
من الذي صار كثير السؤال عن أخبار بخارستان؟
من الذي…؟
من الذي…؟
وكان السؤال الواحد في مثل هذه المجالس أشد من الطعنة، لأنه لا يجرح اللحم بل الثقة، والثقة إذا نزفت بين أهل الشر لم يبقَ لهم شيء.
خرجوا من المجلس وهم لم يتفقوا على شيء.
لكنهم خرجوا بشيءٍ أسوأ من الفشل:
خرجوا وهم يعرفون أن كل واحدٍ منهم يحمل مقبرةً للآخر في صدره.