ولما بدأت معالم المدينة تظهر، لم تستقبلها صفية استقبال سائر المدن؛
فبعض الأماكن لا تُرى بالعين وحدها، بل تُرى بما تركته في الروح من قبل أن تُفهم.
وقد كانت المدينة في وجدانها موضعًا غامضًا طويلًا، ثم صارت بعد كشف النسب موضعًا واضح الجرح، وها هي الآن تعود لتغدو موضعًا ثالثًا لم تعرفه بعد.
كانت المآذن تلوح من بعيد، والهواء يختلف، وفي الجو شيءٌ من اللطف المهيب الذي لا تخطئه الأرواح إذا دخلت هذه البلدة.
تنفست صفية بعمق، ثم أغمضت عينيها لحظة، وشعرت أن شيئًا في صدرها يريد أن يبكي قبل أن ترى شيئًا محددًا.
قال سعيد وهو يتأمل وجهها:
— بدأتِ ترتجفين.
قالت:
— لأنها المدينة.
قال:
— نعم.
فقالت:
— أشعر أنني أدخل إلى قصةٍ أعرف أولها وآخرها، لكنني لا أعرف كيف سأمشي في وسطها.
ودخلوا المدينة.
وكانت الطرق تمضي بهم بين الأبنية والمآذن والوجوه والحركة المعتادة، إلا أن صفية كانت ترى من وراء ذلك كله موضعًا واحدًا فقط: المستشفى القديم القريب من الحرم، والمكان الذي بدأت فيه حياتها ثم انقطعت عنه قسرًا.
ولم تكن قد رأته بعد، لكن الذاكرة الروحية كانت تسبق البصر.
ولما مروا قريبًا من جهة الحرم، خفضت رأسها قليلًا، واغرورقت عيناها بدمعٍ صامت.
فسألها سعيد:
— أتريدين أن نتوقف؟
قالت:
— لا الآن… أخاف إن نزلتُ أن ينفتح عليّ كل شيء دفعةً واحدة.
فقال:
— كما تشائين.
ثم أضاف:
— نحن لسنا في عجلةٍ مع المدينة. هذه المرة هي التي ستنتظرنا.
وكانت هذه الجملة من أجمل ما قيل في الطريق كله.
لأن صفية، لأول مرة، بدأت تشعر أن المدينة ليست خصمًا يواجهها، بل مكانًا يمكن أن تتدرج في دخوله، وأنها ليست تلك الرضيعة التي خرجت منه من غير إرادة، بل امرأة تدخل بقدميها ومعها زوجها وولدها القادم.