باب من الرواية

الباب الثاني: الأيام التي سبقت السفر، حين تعلقت صفية بالمزرعة كما تتعلق المرأة ببيتٍ تعرف أنها ستعود إليه مختلفة

الفصل العشرون — العودة إلى المدينة قبل الولادة

منذ اللحظة التي استقر فيها قرار السفر، صار للمزرعة وجهٌ جديد في عين صفية.

لم تعد تراها بوصفها الموضع الذي بدأت فيه الحياة الجديدة فقط، بل بوصفها الشيء الذي ستتركه قليلًا لتعود إليه ومعها ولد.

وهذا وحده كفيل بأن يغير شكل المكان في القلب.

كانت تخرج كل صباح تقريبًا، تمشي على مهلٍ في أطراف الأرض، وتطيل الوقوف عند الجدار الذي ارتفع نصفه، وعند باب المسجد الصغير الذي صار يفتح ويغلق، وعند الأشجار التي استقبلتها أول مرة كأنها تعرفها من زمنٍ بعيد.

تمرّ يدها على جذع الشجرة كما تمرّ يد الأم على كتف طفلٍ نائم، وتكلم الأشياء في سرها كما تكلم النساءُ البيوتَ إذا خشين أن يطول الفراق قليلًا.

وفي إحدى تلك الصباحات، خرج معها سعيد وحدهما.

كانت الأرض نديةً بعد مطرٍ خفيفٍ مرّ ليلًا، والهواء يحمل رائحةَ ترابٍ مغسول، من تلك الرائحة التي لا تدخل الصدر إلا وأيقظت فيه رغبةً في البدء من جديد.

وقفت صفية عند موضع الساحة الداخلية التي لم يكتمل بلاطها بعد، ثم قالت:

— أشعر أنني سأترك جزءًا من قلبي هنا.

فقال سعيد وهو ينظر إلى ما حولهما:

— وتعودين لتجديه قد كبر.

قالت:

— أخاف أن أغيب عن البيت في أول عمره.

فقال:

— البيوت مثل الأولاد، لا يفسدها غيابٌ قصير إذا كانت الأساسات صادقة.

ثم سكت لحظة، وأردف بنبرةٍ أخف:

— ثم إنكِ لن تعودي وحدك.

فنظرت إليه، وظهر في عينيها ذلك الحياء الذي يزداد في النساء مع الأمومة بدل أن ينقص، وقالت:

— كلما قلتَ هذا شعرتُ أن العالم يتسع في بطني.

فضحك، وقال:

— لا تقوليها هكذا وإلا ظننتُ أنني أبالغ في الفرح.

وفي ذلك اليوم، مرّا على يونس حارس المزرعة، وكان جالسًا يصلح مقبضًا خشبيًا لأحد الأبواب الصغيرة.

فلما رآهما، نهض ومسح يديه في ثوبه، وقال:

— سمعت أن السيدة ستسافر إلى المدينة.

قالت صفية:

— نعم.

فأطرق العجوز قليلًا ثم قال:

— السفر الذي يحمل في آخره مولودًا ليس سفرًا، بل رجوعٌ بشيءٍ جديد من رحمة الله.

ثم نظر إلى المزرعة وقال:

— اطمئني، الأرض لا تنسى أصحابها.

فابتسمت صفية، وقالت:

— وأنت يا يونس، لا تنسَ أن تسقي شجرة الرمان هذه.

فقال وهو يبتسم بأسنانٍ قليلة لكنها صادقة:

— إن شاء الله أسقيها حتى تعرف ابنك حين يأتي.

وكانت هذه الجمل الصغيرة التي يطلقها الناس البسطاء تظل في قلب صفية أكثر مما تظل فيها الخطب الطويلة؛ لأنها كانت تشعر أن الله يرسل أحيانًا الطمأنينة على ألسنة من لا يتكلفونها.

وفي الليل، عادت إلى البيت، وقلبها أقل فزعًا من فكرة السفر.

بدأت تفهم أن المدينة ليست قطيعةً مع المزرعة، بل جسرٌ سيعيدها إليها وهي أم.