كان السائق رجلاً في أواسط العمر، هادئ الصوت، من أولئك الذين يحبون الكلام الخفيف في الطريق الطويل.
وحين عرف أن ضيفيه عربيان، صار يحدّثهما عن بخارستان وناسها وأحيائها القديمة، وعن البيوت التي ما تزال تحتفظ بشكلها الأول، وعن العائلات التي بقيت في المدينة جيلاً بعد جيل.
قال وهو يشير إلى حيٍّ قديم مرّا به:
— هنا أقدم البيوت. العائلات العتيقة تحب هذا المكان. يقولون إن الحجر نفسه يتذكر أسماء ساكنيه.
ولمّا قال الجملة الأخيرة، التفتت صفية إليه بسرعة.
لم يفهم سبب التفتتها، أما هي فقد أصابتها العبارة في الصميم.
الحجر نفسه يتذكر أسماء ساكنيه.
فكيف بقلوب الآباء؟
سألته:
— وهل الناس هنا يعرف بعضهم بعضًا جيدًا؟
قال:
— في الأحياء القديمة؟ نعم، إلى حدٍّ بعيد. الأبواب هنا تحفظ القصص أكثر مما تحفظها السجلات.
ولم تكن تعلم أن كلماته البسيطة صارت في قلبها تمهيدًا داخليًا:
إذا كانت الأبواب تحفظ القصص، فربما كان الباب الذي ستطرقه بعد قليل قد حفظ اسمها عشرات السنين من غير أن يراه أحد مكتوبًا عليه.
وفجأةً، بينما السيارة تقترب من الحي المقصود، مرّا بجانب فتاةٍ صغيرة كانت تركض خلف طائرٍ أبيض.
تعثر الطائر ثم عاد فارتفع، فضحكت الفتاة وركضت خلفه.
تأملت صفية المشهد لحظة، ثم قالت لسعيد:
— هل تظن أن الأشياء الصغيرة التي نراها في الطريق تأتي عبثًا؟
قال:
— أحيانًا تكون مجرد أشياء صغيرة.
ثم التفت إليها بابتسامةٍ عارفة وأضاف:
— وأحيانًا تكون رسائل متنكرة.
فقالت:
— أشعر أنني أنا الطائر… أو الطفلة… لا أدري.
فضحك، وقال:
— لا يهم. المهم أنكِ تقتربين من بيتك.
وهنا انخفض رأسها قليلًا.
ولم تصحح له العبارة.
لأن كلمة بيتك في تلك اللحظة كانت أكبر من أن تُناقش.
كانت كلمةً تلمس شيئًا لمسته قليلًا من قبل في الرؤى، وها هو الآن يقف على حافته.