أخذ عمر من عبدالله أشياء لا تُرى كلها في الوجه، بل في طريقة الوقوف.
أخذ منه أن الرجل لا يحق له أن يحول جرحه إلى ظلم،
ولا أن يجعل الدولة مسرحًا لحزنه،
ولا أن يبني بعده فرعًا ينازع فرعًا.
وأخذ منه كذلك تلك الصلابة التي لا تصرخ بنفسها،
بل تظهر حين تُوضع الأثقال على الأكتاف.
وكان عبدالله يعرف أن ابنه ليس نسخةً منه،
ولهذا لم يربّه على التكرار، بل على الفهم.
وفي أحد الأيام، بعد عودةٍ من ناحيةٍ حدودية، سأله عبدالله:
— ماذا رأيت؟
فقال عمر:
— الرجال، والخيل، والبرد، والتعب.
فقال عبدالله:
— هذا ظاهر الأمر.
ثم سكت لحظة وأضاف:
— وماذا رأيت غير ذلك؟
فسكت الفتى، لأنه فهم أن الجواب الأول لم يكن كافيًا.
ثم قال بعد تأمل:
— رأيت أن بعض الرجال يثبتون لأن من خلفهم بيوتًا تعرف لماذا هم هنا، وبعضهم يثبت فقط لأنهم لا يريدون أن يُروا ضعفاء.
فهزّ عبدالله رأسه ببطء، وعرف أن هذا الابن لا يرى ظاهر الثغر فقط، بل باطنه أيضًا.