كان من أجمل ما في هذا الفصل أن الأولاد تعلّموا منه درسًا لا يُكتب في دواوين الحرب ولا في كتب الفقه المجردة:
أن العدل ليس دائمًا أن تُرجِع الشيء إلى حدِّه بالسيف،
ولا أن تخلط الرحمة فتُذيب بها الحق،
بل أن تعرف كيف تمنع قلبك من الظلم حين يصير لك سلطانٌ عليه.
سألت مريم الصغيرة أمها يومًا، وهي ترى المرأة جالسةً وحدها:
— أهي جدتنا؟
فنظرت إليها صفية طويلًا، ثم قالت:
— لا.
فسكتت الطفلة لحظة، ثم سألت ببراءة:
— إذن لماذا هي عندنا؟
فقالت صفية:
— لأنها كبرت، ولا أريد أن تُترك وحدها.
وكان هذا الجواب كافيًا للطفلة، لكنه لم يكن كافيًا تمامًا لعبدالملك وأحمد ومن كبروا قليلًا.
أما عبدالملك، فقد فهم الأمر أعمق من غيره.
دخل على أمه بعد أيامٍ من قدوم المرأة، وقال:
— أأنتِ سامحتِها؟
فنظرت إليه، وعرفت أن السؤال خرج من فتى بدأ يقرأ الحياة بغير سذاجة.
فقالت:
— لا أحب كلمة سامحتها إذا كانت تعني أن شيئًا لم يكن. كان.
— إذن لماذا جئتِ بها؟
— لأن الله لم يجعل القوة في يدي لأفعل بها ما فعله غيري حين كانت القوة في أيديهم.
فسكت، ثم قال:
— وهل هذا عدل؟
فقالت:
— هذا أوسع من العدل الذي يتصوره الغضب.
ثم أضافت:
— لو انتقمتُ منها، لرضي جرحٌ فيَّ ساعةً، لكن شيئًا في روحي كان سيصغر. وأنا لا أريد أن أصغر بعد كل ما مرّ عليّ.
وكان هذا من الحوارات التي تثبت في روح الفتى أكثر مما تثبت الخطب.
أما أحمد، فكان أشد حدةً بطبعه، فقال مرةً لعبدالله:
— لو كنتُ مكان أمي، لما جئتها إلى بيتنا.
فسمعته صفية، ولم تعنفه.
دعته بعد قليل، وقالت له:
— وهذا طبيعي.
فنظر إليها متفاجئًا.
فأكملت:
— لأنك تفكر الآن من موضع الجرح فقط. لكن الإنسان إذا كبر، ورأى الذنب والضعف والخوف والعمر والقدرة مجتمعةً، قد يحكم بغير ما يحكم به وهو صغير.
ثم وضعت يدها على كتفه وقالت:
— لا أريد منك أن تقلدني. أريد فقط أن تعرف أن الله يحب من عباده إذا قدروا ألا يشبهوا من ظلمهم.