اشتد المخاض.
ولم تكن صفية من النساء اللواتي يصرخن في كل ألمٍ صراخًا يملأ البيت، لكنها أيضًا لم تكن تتصنع بطولةً باردة.
كانت تؤدي ما على الجسد والروح معًا:
تتوجع إذا جاء الوجع،
وتصمت إذا وجب الصمت،
وتستعين بالله إذا ضاقت المسافة بين النفس والدمعة.
جلست مريم عند رأسها، وفاطمة أم سعيد عند يدها، وكلتاهما تعرف ماذا تفعل في أي لحظة.
تلك خبرة النساء التي لا تُكتب كلها في الكتب، بل تنتقل من يدٍ إلى يد، ومن عينٍ إلى عين، ومن ليالٍ طويلة إلى ليالٍ أخرى تشبهها وتختلف عنها.
قالت مريم وهي تمسح عرق ابنتها:
— خذي نفسًا أعمق.
وقالت فاطمة أم سعيد:
— لا تقاومي الألم كله… امشي معه حتى يمر.
وكانت صفية تفعل، ثم تعود فتتمسك بطرف الفراش حين يشتد، وتغيب لحظةً في أعماقها ثم تعود.
وفي أثناء موجةٍ قوية من الألم، قالت مريم:
— أتذكرين ولادة عبدالملك؟
فتحت صفية عينيها وقالت:
— نعم…
— وهذه؟
— هذه… كأنها ليست ولادة طفل فقط.
فقالت فاطمة أم سعيد:
— لأنها ولادة زمن.
وكانت الجملة صادقة.
ثم جاءت موجةٌ أشد، فأغمضت صفية عينيها وقالت بصوتٍ متقطع:
— يا رب… يا رب…
وكانت هذه الكلمة إذا خرجت من فم امرأةٍ في مثل هذا الموضع، خرجت خالصةً لا يشوبها شيء.
لا بلاغة فيها، ولا ترتيب، بل حقيقة مجردة بين مخلوقةٍ ضعيفة وربٍّ يعلم موضعها كله.
وفي لحظةٍ بين ألمٍ وألم، تذكرت صفية فجأةً بخارستان.
تذكرت الساحة الأولى، والمسجد الصغير، والشجرة التي كانت تقف عندها، وأول ليلةٍ حملت فيها عبدالملك بعد عودتها من المدينة، وتذكرت عناق أمها، وصوت أبيها، وصغارها وهم يكبرون واحدًا بعد آخر.
ثم فتحت عينيها على البوسنة، على سقفٍ مؤقت، وعلى أرضٍ جديدة، وعلى ليلٍ يعرفها لأول مرة.
وفهمت أن الرحلة كلها قد تجمعت الآن في جسدها.