والمرأة حين تقترب من الولادة، لا تقف فقط على باب الألم، بل تقف على باب الذاكرة كلها.
تجتمع في قلبها النساء اللواتي كانتْهُنّ في عمرها السابق كله:
الفتاة المكسورة،
والزوجة المتعبة،
والأمّ الأولى،
والأم التي تعلّمت توزيع القلب على طفلين وثلاثة وأربعة،
والمرأة التي سافرت بالأرحام كما يسافر الناس بالزاد.
وكانت صفية، في تلك الساعات، تشعر أن في داخلها امرأتين:
امرأة بخارستان، التي أنجبت هناك أكثر أولادها، وملأت البيت بالخطوات الصغيرة، وربطت اللبن بالقرآن، والساحة بالجبال، والمزرعة بالقبلة.
وامرأة البوسنة، التي لم تتشكل بعد بكاملها، لكنها تقف الآن على حافة الظهور، تنتظر هذه الولادة كما تنتظر الأرض المطر الأول بعد غبارٍ طويل.
قالت لها مريم وهي تلاحظ شرودها:
— أين أنتِ؟
فقالت صفية بصوتٍ خافت:
— في مكانين.
— كيف؟
— كأن بخارستان تقف خلفي الآن، وكأن البوسنة تفتح لي بابها من الأمام.
فقالت مريم:
— هذه نعمة، لا حيرة.
فابتسمت صفية ابتسامةً باهتة وقالت:
— نعم… لكن النعمة أحيانًا ثقيلة.
وكان هذا من أصدق ما تقوله النساء في مثل هذه المواضع.
فالنعمة إذا عظمت، صارت نفسها نوعًا من الثقل المهيب.
لا لأنها تزعج، بل لأنها تجعل القلب أصغر من أن يحملها بلا ارتجاف.
ثم وضعت يدها على بطنها وقالت:
— يا صغيرة… أكنتِ تنتظرين هذه الأرض؟
فقالت فاطمة أم سعيد من عند الباب:
— لا تسأليها. هي أجابت بالفعل.
وكانت تقصد ما تعرفه النساء من إيقاع الأرحام.
فالجسد أحيانًا يحسم ما يعجز العقل عن تفسيره.