باب من الرواية

الباب الأول: الليلة التي نامت فيها القافلة على اسمٍ جديد

الفصل الرابع والعشرون — ولادة فاطمة في البوسنة

لم يكن نزولهم الأول في البوسنة نزولَ قومٍ استراحوا من وعثاء الطريق فحسب، بل نزولَ أرواحٍ كانت تعرف، من غير أن تقول ذلك صراحة، أنها دخلت الآن في امتحانٍ آخر.

فالسفر، على قسوته، يبقى مرحلةً مؤقتة.

أما الوصول، فهو الذي يبدأ فيه ثقل المعنى الحقيقي:

أين سيُبنى البيت؟

كيف سيُجمع الناس؟

من أين يبدأ الخبز؟

كيف يُرفع الأذان؟

كيف تُهدّأ قلوب الأطفال الذين اقتُلِعوا من ساحةٍ ألفوها إلى فضاءٍ جديد؟

وكيف تحمل المرأة الحامل كل هذا، وفي جسدها بابٌ على وشك أن يفتح؟

في تلك الليلة، بعد أن اطمأن الرجال إلى موضع النزول، وأقيمت أغطيةُ الراحة، ورتبت النساء مواضع الصغار، خفتت الأصوات شيئًا فشيئًا.

لكن بيت صفية الداخلي لم يخفُ.

كان في جسدها حركةٌ أخرى، حركةٌ دقيقة لا تخطئها النساء اللواتي عرفن الحمل والولادة مرةً بعد مرة.

لم يكن ألمًا صريحًا بعد، لكنه كان بشيرًا يعرفه البدن قبل أن يسميه اللسان.

جلست صفية على فراشها المؤقت، ويدها على بطنها، والليل من حولها ساكن على اتساعٍ لا يشبه ليالي بخارستان.

كان في البوسنة شيءٌ من السعة الحزينة، كأن الأرض نفسها واسعةٌ بما يكفي للأمل، ومجروحةٌ بما يكفي لأن تحتاج إليه.

دخلت عليها مريم، فرأتها على تلك الحال، وقالت بهدوء الأمهات اللواتي يقرأن الأجساد من العيون لا من الشكوى:

— بدأ؟

رفعت صفية عينيها وقالت:

— ليس تمامًا… لكنه قريب.

فجلست مريم عندها، ومسحت على كتفها، وقالت:

— كنتُ أعلم أنها لن تنتظر طويلًا بعد الوصول.

ثم دخلت فاطمة أم سعيد، وفي يدها ماءٌ وبعض ما يلزم، وقالت وهي تنظر إلى وجه صفية:

— وجهك يقول إن الليل لن يمرّ عاديًا.

ابتسمت صفية ابتسامةً متعبة، وقالت:

— كأنها كانت مستعجلة على البوسنة.

فقالت مريم:

— أو كأن الله أراد أن يربطها بها من أول النفس.

وسكتت النسوة جميعًا لحظة.

وكان الصمت في تلك اللحظة ممتلئًا أكثر من الكلام.

لأنهن جميعًا فهمن أن البنت التي ستخرج بعد ساعات ليست مجرد مولودةٍ أخرى في السلسلة، بل علامة.

علامة على أن الرحلة انتهت حقًا، وأن الأرض الجديدة لن تبقى موضع إقامة مؤقتة، بل موضع ميلاد.