باب من الرواية

الباب الأول: لا تبدأوا من القوة… ابدؤوا من الصدق

الفصل الرابع والأربعون — وصايا النور

لو أمكن لهذه السلسلة كلها أن تجتمع مرةً أخرى،

لا لتقاتل،

ولا لتحكم،

ولا لتبني مسجدًا أو وقفًا أو راية،

بل فقط لتجلس مع من يأتي بعدها،

أظن أن أول ما كانت ستقوله ليس:

كونوا أقوياء.

ولا:

افتحوا البلاد.

ولا:

احفظوا الاسم.

بل كانت ستقول:

ابدؤوا من الصدق.

لأن كل ما جاء بعد ذلك لم يكن إلا ثمرةً لهذه البذرة الأولى.

صبر مريم ما كان ليصير يقينًا يُردّ إليه الولد لو لم تكن صادقة.

وسعي تقي الدين ما كان ليصير ساريةً في البيت لو لم يكن صادقًا.

وخوف سعيد من نفسه ما كان لينفعه لو لم يكن صادقًا.

ووجع صفية ما كان ليتحول إلى نورٍ منظم لو أنها كذبت على نفسها مرةً واحدة وقالت:

أنا لا أتألم.

أو قالت:

أنا سامحت قبل أن ينضج قلبها حقًا.

أو قالت:

أنا قوية ولا أحتاج الله.

الصدق هو الذي أنقذهم من أن يصيروا تماثيل جميلة في الظاهر مكسورة في الداخل.

ولأنهم صدقوا،

قبل الله منهم ارتباكهم،

وقلة حيلتهم،

وبكاءهم،

وخوفهم،

ثم بنى فوق ذلك كله ما أراد.

ولهذا، فإن أول وصية من هذا البيت لمن يأتي بعده هي:

لا تبدأوا من صورة أنفسكم،

ولا من رغبة الناس فيكم،

ولا من الحلم الكبير الذي يلمع لكم من بعيد.

ابدؤوا من هذا السؤال وحده:

هل أنا صادق؟

فإن كان الجواب نعم،

احتمل الله عنكم من نقصكم ما لا تحتملونه أنتم عن أنفسكم.