وأما تقي الدين، فلم يكن فضله في هذه السلسلة فضل الأب الصالح الذي ربّى فقط،
بل فضل الرجل الذي أعطى الصبر شكلًا يمكن أن يُورَّث.
كان صبره مختلفًا عن صبر العاجزين.
لم يكن صبر من ينتظر لأن لا قدرة له،
بل صبر من يعمل،
ويبحث،
ويبني،
ويشدّ،
ويقوم،
ثم يرضى أن يترك لنتيجة الله أن تأتي في وقتها لا في وقته هو.
ولهذا بقيت هيئته في البيت بعد موته.
بقيت في طريقة عبدالملك في النظر قبل القرار،
وفي طريقة عبدالله في حمل الكارثة من غير فوضى،
وفي طبع أسد الإسلام حين لم يُغره الاسم،
وفي خشوع عمر حين عرف أن الحكم لا يليق أن يحمله القلب متكبرًا.
حتى إذا استُشهد، لم يكن موته طيًّا لرجلٍ كبير فقط،
بل انتقالًا لصبره من الجسد إلى السلالة كلها.
فإذا قيل بعد ذلك:
من أين جاءت هذه الوقفة في البيت كله؟
فالجواب:
من هناك.
من رجلٍ لم يكن يرفع صبره شعارًا،
بل عاشه حتى تشكل في هيئة الأبناء والأحفاد من بعده.