وحين دخل عمر إلى الحكم، لم يدخله على صورة رجلٍ يريد أن يثبت أنه الختام الأرفع في السلسلة،
ولا على صورة من يريد أن يعوّض قِصر الزمن بكثرة الضجيج،
وهذه صفة نادرة في خواتيم السلاسل.
فكثيرًا ما يكون آخر الحكام أشدهم تعلقًا بالزينة،
وأقربهم إلى تعويض ثقل الإرث بالصوت العالي،
لكن عمر جاء على نحوٍ آخر:
كأن كل الدماء والفتوح والتسليمات والمرض والوقوف في الحرمين والثغور قد انحدرت أخيرًا إلى قلب رجلٍ هادئ، يعرف أنه الخاتمة السياسية الكبرى لا البداية.
ومن يعرف نفسه خاتمةً لا يطلب أن يثبت شيئًا بالصراخ، بل أن يُحسن الإغلاق.
كان في مجلسه شيءٌ من قلة الحركة وكثرة المعنى.
وإذا دخل عليه رجلٌ أراد أن يزين له السلطة، لم يجد في وجهه ما يشجعه على هذا الباب.
وإذا دخل عليه صاحب حاجة، لم يشعر أنه أمام سلطان مشغول بصورته أكثر من وجوه الناس.
وكان هذا هو الفرق الذي أحبه الناس فيه سريعًا.