باب من الرواية

الباب السادس: صفية في مؤسسات الدولة… كيف حافظ عليها من أن تموت بموتها

الفصل التاسع والثلاثون — عبدالله بعد التفجير

وكان هذا أمرًا يمكن أن يضيع بسهولة.

فكثير من الرجال إذا ماتت المرأة المؤسسة في البيت أو الدولة، تعاملوا مع ما صنعته كأنه بعض آثار العاطفة التي يمكن تركها للزوال مع مرور الوقت.

لكن عبدالله لم يفعل ذلك.

كان يعرف من الداخل قبل الخارج أن الدولة التي فقدت صفية لا تحتمل أن تفقد معها بنيتها الأخلاقية أيضًا.

فإن ماتت الأوقاف أو ذبلت شبكات النساء أو ضعفت الصلة بين الداخل والحكم، صار التفجير قد نجح مرتين: مرةً في الجسد، ومرةً في المعنى.

لذلك استدعى القائمين على الوقف،

وشبكات الداخل،

والنساء اللواتي كنّ يدِ صفية الممتدة إلى البيوت،

وقال لهم في أول اجتماع:

— لا أريد أن أسمع بعد اليوم عبارة: كانت صفية تفعل هذا.

نظروا إليه في صمت.

فأكمل:

— أريد أن أسمع: الدولة تفعل هذا.

ثم قال بنبرةٍ هادئة لكنها فاصلة:

— إن مات الخير بموت صاحبه، فمعناه أنه لم يُبنَ حقًا.

وكانت الجملة كافية لأن يشعر الجميع أن عبدالله لا يكرّم ذكرى صفية بالبكاء عليها فقط، بل بتحويل ما صنعته إلى جزءٍ ثابت من بناء الدولة.

وهذا ما فعله فعلًا:

حفظ الأوقاف،

راجع دفاترها،

وسع مواضعها عند الحاجة،

أبقى للنساء بابًا منظمًا يصلن منه إلى الداخل،

ولم يسمح لكبار الدواوين أن يحتقروا ما كان يُنسب يومًا إلى “أعمال النساء”، بل جعله جزءًا من الدولة نفسها.

وفي هذا كله كان يحمل أمه الراحلة من غير أن ينطق باسمها كثيرًا.

كان يعرف أن أعظم البر بها الآن أن لا يترك الناس يقولون بعد أعوام:

ذهب الخير بموتها.

بل أن يقولوا:

جعل عبدالله الخير الذي رتبته صفية قانونًا حيًا.