باب من الرواية

الباب الثاني: البيت بعد النار

الفصل التاسع والثلاثون — عبدالله بعد التفجير

عاد إلى البيت، أو إلى ما بقي من صورته المعنوية بعد أن فارقته أرواحه الكبرى، فوجد أن الحزن فيه لا يشبه الحزن في البيوت العادية.

لأن البيوت الصغيرة إذا مات منها واحدٌ أو اثنان، بقيت البقية تستند إلى ظلّ قديم معروف.

أما هذا البيت، فقد سقطت منه دفعةً واحدة:

صفية التي كانت روح الداخل،

وسعيد الذي كان عقل التأسيس،

وعبدالملك الذي كان عنوان المرحلة.

ولذلك لم يكن البكاء فيه بكاء فقدٍ فقط، بل بكاء فراغ.

كانت البنات جالسات في صمتٍ مكسور.

أصوات النساء منخفضة على غير العادة، لا أدبًا مع الميتين فقط، بل لأن الجدران نفسها بدت كأنها تنصت.

والصغار يتحركون في الأطراف بحذر الحيوان الجريح، يفهمون أن العالم انكسر، لكنهم لا يملكون بعدُ أسماء هذا الانكسار.

أما أمامة، فقد كانت تؤدي وظيفتها كما لو أن الله خلقها لهذه الساعات السوداء بالذات:

تضم من يجب أن يُضم،

وتسكت من يجب أن يهدأ،

وتحفظ البيت من أن يتحول الحزن فيه إلى فوضى.

دخل عبدالله، فرأتْه أمامة من أول لحظة.

لم تر فيه فقط الزوج الذي عاد من كارثة، بل الرجل الذي انتقل إلى مقامٍ آخر وهو ما يزال يلبس دخان اليوم على وجهه.

اقتربت منه، ولم تقل: كيف أنت؟

لأن بعض الأسئلة تظلم أصحابها إذا جاءت في وقتٍ لا يملك فيه الإنسان جوابًا.

قالت فقط:

— البيت ثابت.

فنظر إليها طويلًا، وكأن الجملة رفعت عن صدره جزءًا من حجر، ثم قال:

— الحمد لله.

وكانت هذه الجملة في تلك الليلة من أعظم ما احتاجه.

لا من يشاركه البكاء وحده،

بل من يحفظ له أن البيت ما يزال قائمًا.