لم يكن دفنهم دفن ثلاثة أجساد فقط.
كان دفنَ مرحلة.
دفنوا سعيدًا،
فدُفن معه المؤسس الذي حمل البيت من بين الآلام والقرى والرحلات إلى بخارستان والبوسنة والدولة والفتح.
ودفنوا صفية،
فدُفن معها قلب الداخل، والمرأة التي رتبت البيوت، والأوقاف، والأرامل، والبنات، والرحمة التي صارت نظامًا، والجرح الذي تحول إلى بصيرة.
ودفنوا عبدالملك،
فدُفن معه الفتى الذي صار عهدًا، والملك الذي خرج من رحم الجبر إلى ثقل الفتح بعد الفقد.
وكانت الجنازة ثقيلةً بما لا تحتمله اللغة بسهولة.
الناس يبكون لا لأنهم فقدوا حكامهم فقط،
بل لأنهم فقدوا صورتهم عن أنفسهم في تلك المرحلة.
فالبيوت العظيمة لا تحكم الأمم فقط، بل تعطيها مرآةً ترى فيها معنى ما تريد أن تكونه.
وقد وقف عبدالله على هذه القبور أو عند هذه اللحظة —بحسب ما يسمح به السرد— وهو يعرف أن دفنهم ليس نهاية الحزن فقط، بل بداية الأمانة.
وكان إلى جواره أو في ذاكرته أسد الإسلام،
وعمر بن عبدالله،
وبقية السلسلة التي لم تُتح لها ساعة طويلة لتبكي قبل أن تُستدعى إلى التماسك.
ولعل أكثر ما كان يقطع قلب من شهد المشهد أن البيت لم يعد فيه من الجيل الأعلى أولئك الذين إذا دخلوا المجلس استقرت القلوب تلقائيًا.
فقد مضى تقي الدين من قبل،
ثم فاطمة،
ثم مريم،
والآن مضى سعيد وصفية وعبدالملك معًا.
وبقيت البلاد تنظر إلى عبدالله والجيل الجديد لتعرف:
هل ما زال البيت بيتًا؟
أم أن القبر ابتلع آخر ما فيه؟