فقد بدأ أسد الإسلام بن عبدالملك يشتدّ في الميدان،
وفي الجهة الأخرى كان عمر بن عبدالله يشتد أيضًا،
وكان عبدالله يجمع بينهما على معنى التكامل لا التنافس، حتى تطمئن البلاد أن السلسلة ما زالت حية.
عبدالملك يأخذ أسد الإسلام معه إلى الجبال والحدود والمجالس المختارة،
لا ليقدمه استعراضًا،
بل ليجعله يرى كيف ينظر الرجل إلى البلاد لا إلى نفسه.
لا ليعجله،
بل لئلا يأتيه اليوم العظيم وهو خامّ.
كان عبدالملك إذا خرج بأسد الإسلام قال له أحيانًا وهو على ظهر الفرس:
— لا أريدك أن تتعلم كيف تُمسك السيف فقط. أريدك أن تتعلم متى لا تستعمله.
وكان عبدالله إذا خرج بعمر قال له:
— الثغر لا تحرسه الشجاعة وحدها. تحرسه القدرة على الصبر حين لا يراك الناس.
وهذه الجمل الصغيرة كانت تبني رجال الغد قبل أن يعرف الغد نفسه أنه قادم بهذه السرعة.
وفي إحدى الخرجات، وقف عبدالملك مع أسد الإسلام على ربوةٍ عالية، ونظر إلى السهل الطويل، ثم قال:
— هل ترى اتساع الأرض؟
قال الفتى:
— نعم.
— لا تغتر به. الأرض الواسعة قد تضيق بحاكمٍ صغير.
فسكت الفتى، وحفظ الجملة.
وفي جهةٍ أخرى، كان عمر مع عبدالله يتعلم أن يقرأ وجوه الرجال في الصمت، وأن يفهم من تبدل نبرة القائد في الثغر أكثر مما يفهم بعضهم من صراخه.
وهذا كله هو الذي سيجعل الضربة العظمى —على هولها— لا تقطع السلسلة، بل تغيّر طريقها فقط.