أما محمد، فلم يكن يشبه أحمد على تمام الشبه، مع أن كليهما خرج إلى المحاريب.
وهذا من أجمل ما في هذا البيت:
أن الأدوار لم تنشأ فيه على صورة النسخ المتشابهة، بل على صورة التكامل.
إذا كان أحمد أقرب إلى سكينة القراءة التي تسكت لها الأفئدة،
وكان محمد منذ صغره أقل إخوته ضجيجًا.
لا لأنه ضعيف،
بل لأن بعض الأرواح تتشكل على هيئة العمق الصامت لا الحضور العالي الصوت.
يستمع طويلًا،
ويتكلم قليلًا،
وإذا تكلم خرج من كلامه ما يجعل الرجل يحس أنه ليس أمام فتىً فقط، بل أمام قلبٍ شرب المعاني على مهل.
رأته صفية من هذه الجهة مبكرًا.
وحين كان صغيرًا تجلسه إلى جوارها أحيانًا في مجالس النساء والوقف، لا ليشارك، بل ليسمع.
وكان يسمع كما يسمع من يجمع الحصى لا ليلعب به، بل ليبني به جدارًا لاحقًا.
أما سعيد، فكان يعرف أن هذا الابن ليس من مادة الاندفاع إلى الثغور أولًا، وإن كان فيه من الرجولة ما يكفي لها عند الضرورة، لكنه مائل إلى شيءٍ آخر:
إلى المحراب،
والعلم،
والحديث،
وهدوء المجالس التي تخرج منها البصيرة أكثر مما يخرج منها الصخب.
وفي إحدى الليالي، قال سعيد لصفية:
— محمد لا يشبه أحمد.
فقالت:
— نعم.
— لكنه أيضًا من أهل الحرمين.
فنظرت إليه، وقالت:
— وأنا أشعر بهذا منذ زمن.
فقال:
— كيف عرفتِ؟
قالت:
— لأن بعض الأولاد إذا نظرت في وجوههم رأيتَ الأرض التي سيقفون عليها قبل أن يروها.
وكانت المدينة في وجدان محمد حاضرةً من غير أن يسكنها بعد.
لعلها من أثر قصة الولادة الأولى لصفية،
أو من دعوات مريم،
أو من شعور البيت كله أن لهذا الغلام صلةً خفيةً بالموضع الذي منه بدأ الجرح والجبر.