بعد دفنها، لم تبكِ صفية كما بكت مريم،
ولا كما بكت فاطمة.
وقفَت طويلًا، وفي قلبها ذلك السكون الموجع الذي يزور الإنسان إذا أغلق أخيرًا بابٌ ظل مفتوحًا في الذاكرة سنوات طويلة.
لم يكن في قلبها انتصار.
ولا ندم.
ولا تلك الراحة السهلة التي يتخيلها الناس إذا انتهى خصم أو أغلق ملف.
بل كان شيءٌ أدق:
شعورٌ بأن الماضي نفسه صار أوضح.
لم يعد كتلةً واحدة من السواد.
فيه أعداءٌ خالصون،
وفيه ضعفاءُ شاركوا في الجريمة بسكوتهم وخوفهم،
وفيه نساءٌ لم يكنّ ملائكةً ولا شياطين، بل بشرًا سقطوا تحت وطأة ما لم يستطيعوا دفعه.
وهذا الفهم هو بعض ما جعل صفية في آخر عمرها أوسع قلبًا من أن تحكم على الناس بحدٍّ واحد.
لم يبرّئ الذنب،
لكنه لم يخلط بين مراتبه.
ولم يجعل من الجرح ذريعةً لتعميم السواد على كل الوجوه.
عادَت بعد الدفن إلى بيتها، وجلست وحدها مدةً.
ثم دخل عليها عبدالملك، فرآها ساكنةً أكثر من المعتاد.
قال:
— كيف أنتِ؟
فقالت:
— أخفّ قليلًا.
فهم من الجملة ما لم تحتج إلى شرحه.
فقال:
— لأن بابًا أغلق؟
فنظرت إليه، وقالت:
— نعم.
ثم أضافت:
— لا لأن الجرح اختفى… بل لأن الماضي كله لم يعد يطالبني كل ليلة بحوارٍ لم يُحسَم.