حين دخلت بيت صفية في البوسنة، لم يكن دخولها دخول أمٍّ مكرمة على الصورة التي تُمحى بها كل الحقائق،
ولا دخول أسيرة تُذل بعين الإحسان،
عرف الأولاد والأحفاد —بحسب ما يناسب أعمارهم— أنها المرأة التي ربّت أمهم قديمًا.
ولم يُطلب منهم أن يحبوها حبَّ الجدات الطبيعيات،
لكن لم يُسمح كذلك أن تُهان أو تُترك لذلّ الكبر.
وكان هذا في ذاته درسًا من دروس البيت كله:
أن الحقيقة لا تُزور،
لكن الكرامة أيضًا لا تُسحق إذا صار الإنسان في آخر العمر أضعف من أن يحمل ماضيه وحده.
أُعِد لها موضعٌ يليق بعمرها وحالها،
لا في قلب البيت كأنها أصلٌ من أصوله،
ولا في طرفٍ مهمل كأنها بقايا شيءٍ يُراد إخفاؤه،
بل في مكانٍ نظيف هادئ، قريبٍ بما يكفي للرعاية، بعيدٍ بما يكفي عن خلط المقامات.
وكان هذا التوازن نفسه هو ما يميز أفعال صفية كلها في هذا الفصل.
يُرسل لها الطعام،
ويُقرأ عندها القرآن،
وتُهيأ لها امرأةٌ تقوم على شأنها،
وتدخل عليها صفية أحيانًا بنفسها، فتجلس قليلًا، وتسأل عن صحتها، ثم تمضي.
وفي الأيام الأولى، كانت المرأة تتحرك في البيت كأنها تخشى أن تلمس الأشياء أكثر مما ينبغي.
تنظر إلى الوجوه،
إلى النظام،
إلى الأطفال،
إلى البنات،
إلى أصوات القرآن،
إلى الدخول والخروج،
إلى رحابة الساحة،
ويدركها صمتٌ يشبه الخجل القديم مضروبًا في الكِبَر والعجز.
فهي تعرف أنها في بيتٍ لا ينسى،
لكنه أيضًا لا يشبه البيوت التي تعاقب بالشماتة.