لم يكن الطريق إلى البوسنة بالنسبة لتلك المرأة سفرًا عاديًا.
كان أشبه بعرض عمرها على قلبها مرةً أخرى.
ترى الطريق، لكن لا تراه وحده؛
ترى القرية وهي تبتعد،
والبيت القديم ينسحب،
والأسماء تتفكك،
والسر الذي عاش تحت سقفها عقودًا يخرج الآن من الظل إلى ضوءٍ لم تطلبه هي،
وترى صفية —الطفلة التي ربّتها ظلمًا تحت اسمٍ ليس اسمها— جالسة الآن في موضع القوة، ثم لا تستعمل القوة كما يستعملها المقهورون إذا مُكّنوا.
كانت طوال الطريق قليلة الكلام.
أما صفية فلم تُكثر عليها الأسئلة، ولا التعزية، ولا الكلمات التي تذيب الحقائق في طراوةٍ زائفة.
جلست في عربة الطريق أو موضع السفر كما تجلس المرأة إلى جانب أمرٍ لم يُحسم عاطفيًا لكنه حُسم أخلاقيًا.
لا قربُ أمٍّ وابنة،
ولا جفاءُ سجانٍ وأسيرة.
بل شيءٌ ثالث لا تحسن تسميته إلا الأرواح التي جرّبت النضج بعد الجرح.
وفي لحظةٍ من الطريق، قالت المرأة بصوتٍ منخفض لا يكاد يسمع:
— كنتِ صغيرةً جدًا…
فلم تجبها صفية أول الأمر.
ثم قالت بعد صمت:
— أعرف.
— ولم أكن أعرف كيف أخرجكِ من كل ما كنتُ فيه.
فالتفتت إليها صفية للمرة الأولى مباشرةً في الطريق، وقالت:
— لكنكِ لم تُخرجي نفسك أيضًا.
وانخفض رأس المرأة من جديد.
وكانت الجملة ليست اتهامًا صاخبًا، بل حقيقةً حادة لا تُجامل.
ثم عاد الصمت.
وفي آخر النهار، رأت المرأة من بعيد ملامح البوسنة، والاتساع الذي لم تعرفه قريتها، فعرفت أنها تدخل ليس بيت صفية فقط، بل عالمها كله، العالم الذي خرج من تحت يديها يومًا على هيئة طفلةٍ خائفة، ثم عاد إليها الآن على هيئة امرأةٍ أقامت بيتًا وبلدًا ومعنى.