لم يكن محمد، في مقامه في الحرم النبوي، يرى نفسه صاحب مرتبةٍ شرفية فقط، ولا رجلًا بلغ من العلم والعبادة مبلغًا يفاخر به الناس، بل كان يعرف أن في وقوفه هناك شيئًا من جواب الليلة الأولى التي وُلدت فيها أمه صفية، وضاعت بعدها، ثم عادت.
فهو لم يكن مجرد حفيدٍ صالح، بل جزءًا من تصحيحٍ إلهي طويل.
ولما دخلت عليه جدته مريم في المدينة، لم يستقبلها استقبال الإمام لزائرة عزيزة فقط، بل استقبال الحفيد الذي يعرف أن هذه المرأة هي أصل الجرح وأصل الجبر معًا في بيتهم كله.
قام لها، وقبّل رأسها، وأجلسها حيث يليق، وكانت عيناه تفيضان من المحبة الصامتة.
أما هي، فنظرت إليه طويلًا، لا كما تنظر الجدة إلى حفيدها الذي كبر، بل كما تنظر الأم التي ترى تاريخًا كاملًا متجسدًا في بشرٍ واحد.
قالت له وهي تتأمله:
— ها أنت هنا.
فقال مبتسمًا في حياءٍ جميل:
— بفضل الله ثم دعائكم يا جدتي.
فهزت رأسها ببطء، ثم قالت:
— لا… بل بفضل الله أولًا، ثم لأنه لم يضيع ما بدأه فينا.
وكان محمد يعرف ما تعنيه.
يعرف أن هذه المدينة نفسها حملت يومًا خبر “موت” صفية، ثم ها هي الآن ترى حفيدها إمامًا في الحرم.
ولهذا لم يكن حضوره بجدةٍ عاديةٍ في مجلسٍ عائلي، بل حضورًا في قلب قدرٍ مكتمل الأطراف.
ومضت الأيام الأولى في المدينة هادئة.
زارت فيها مريم المواضع المباركة، وجلس معها محمد طويلًا، وسمعت صوته وهو يؤم الناس، ووقفت في بعض اللحظات صامتةً كأنها لا تصدق أن هذا كله خرج من قلب تلك الليلة القديمة.
وكانت صفية بعيدة بالجسد، لكنها كانت حاضرة بالقلب في كل لحظة من لحظات أمها هناك.