باب من الرواية

الباب السادس: ما بعد فاطمة… البيت الذي تعلم أن الرحمة نفسها قد تمضي

الفصل الحادي والثلاثون — وفاة فاطمة أم سعيد

بعد دفنها، لم يعد البيت هو هو.

ليس لأن الجدران تبدلت، بل لأن البيوت تحفظ ظلال من فيها.

الزاوية التي كانت تجلس فيها بعد العصر،

صوت السبحة في يدها،

النداء الهادئ للصغار،

الطريقة التي كانت تدخل بها على صفية إذا رأت في وجهها تعبًا،

الالتفاتة التي كانت بها تكفي سعيدًا نصف الكلام،

كل ذلك صار أثرًا لا جسدًا.

وكان هذا النوع من الغياب من أشد ما يختبر الأسر الكبيرة، لأنه لا يأتي من جهة القرار أو المعركة، بل من جهة الحنان.

شعرت صفية بعدها أن بعض الثقل ازداد عليها في الداخل.

لا لأن العمل كبر فجأة، بل لأن المرأة التي كانت تحمل جزءًا من صمت البيت الصالح قد غابت، وصار عليها أن تحمل بعض ما كانت تحمله هي أيضًا.

وقالت لمريم أمها في مساءٍ بعد أيام:

— كأن البيت صار أعلى صوتًا بعد موتها، مع أن الناس فيه خفّضوا أصواتهم.

فقالت مريم:

— لأن الساكن إذا غاب، ظهر ما كان يستره من اضطراب العالم.

ثم أضافت:

— كانت من النساء اللواتي يوزعن السكينة من غير أن يشعر الناس.

وهذا الوصف كان دقيقًا إلى حدٍّ مؤلم.

لقد عرفت الأسرة يومها أن الرحمة نفسها إذا تجسدت في امرأة، ثم مضت، تركت في البيت فراغًا لا تملؤه الهيبة ولا كثرة الرجال.

لكنهم لم يتوقفوا.

وهذا هو سرّ هذه السلالة كل مرة:

أنها تبكي،

وتُدفن موتاها،

ثم تمضي.

لا لأنها لا تتألم، بل لأنها تعرف أن الألم إذا صار سببًا للتوقف خان معنى من مضى.