ولم يكن رحيلها مجرد وفاة امرأةٍ كبيرة في البيت، بل سقوط سندٍ من الأسانيد التي لا يلتفت التاريخ السياسي غالبًا إلى عمقها، مع أنها تشدُّ البيوت أكثر مما تشدها كثير من القرارات.
كانت فاطمة أم سعيد من النساء اللواتي لا يملأن المجالس ضجيجًا، لكن حضورهنّ في البيت يشبه الجذور:
لا تُرى كلها،
لكن الشجرة تختل إذا مُسّت.
هي التي استقبلت صفية يوم كانت خارجة من حياةٍ منكّسة،
وهي التي حملت معها معنى الاحتواء الصادق،
وهي التي شاركت في تربية الأبناء،
وفي تثبيت صفية أيام الولادات،
وفي حمل الداخل حين كثر ثقل الحكم،
وظلت في البيت كأنها صمت الرحمة الموزع على الجميع.
وبعد استشهاد تقي الدين بمدةٍ، بدأت آثار السنّ والتعب تظهر عليها أوضح من قبل.
لم تكن تشتكي كثيرًا، لكن صفية —لشدة ما تعرفها— بدأت تلتقط من بطء حركتها، ومن طول تأملها للصغار، ومن صمتها بعد المغرب، ومن نظرتها إلى سعيد، أن شيئًا ما يخفّ في الجسد ويشتد في الروح.
وكانت هذه من العلامات التي تعرفها النساء اللواتي عشن مع الكبار طويلًا:
أن بعض الناس يبدأون الرحيل قبل أن يموتوا بأسابيع أو أشهر، على هيئة نورٍ يرقّ أكثر، وصبرٍ يزداد، وتخففٍ من أشياء الدنيا.
قالت لها صفية ذات مساء وهي تعدّ لها شيئًا من الشراب:
— أراكِ تتعبين أكثر من قبل يا أمي.
فابتسمت فاطمة تلك الابتسامة التي يزداد فيها النور كلما هزل الجسد، وقالت:
— يا ابنتي، نحن الآن في أعمارٍ يصير فيها التخفف من الدنيا هو الراحة.
فقالت صفية، وفي قلبها وخزٌ لم تحب أن تسميه:
— لا تقوليها هكذا.
فقالت فاطمة:
— ولمَ أخاف من المعنى الصحيح؟ لقد رأيتُ البيت يقوم، والأولاد يكبرون، والبلاد تثبت، فما الذي أبقى عليه الخوف؟
وكانت هذه الجملة تهيئةً خفية لما سيأتي.
لا موتًا وقع الآن بعد، لكن ظلُّه بدأ يمرّ على أطراف البيت.