وجاء الخبر.
لم يأتِ سريعًا كما تأتي أخبار الانتصار، بل جاء على ذلك الإيقاع الذي يجعل القلوب تعرفه قبل أن تُنطق به الألسن.
عاد رجلان من الحملة بوجوهٍ يعرف الحزن طريقه إليها، ولم يكن في هيئتهما ما يوحي بنكسةٍ في الصفوف، بل بشيءٍ أخصّ وأوجع:
أن رجلاً واحدًا —لكنّه لا يساوي في البيت رجلًا واحدًا— قد سقط.
دخل الخبر أولًا على عبدالملك.
قرأه من خطواتهم، من طريقة وقوفهم، من خفض أبصارهم قبل الكلام.
ولمّا نطق الرجل الاسم: تقي الدين، شعر عبدالملك أن المجلس كله اتسع فجأةً وصار قبرًا مفتوحًا في الذاكرة.
لكنّه لم ينهَر.
بل أحس أن هذه هي اللحظة التي كان يعده لها الشيخ نفسه طوال السنين:
أن يحمل الدم ولا يسقط الراية.
سأل أولًا:
— كيف مضى؟
فقالوا:
— ثبت… ثم تقدم حين اضطربت بعض الصفوف، وشدّ قلوب الرجال، ثم أصابه ما أصابه وهو في الموضع الذي كان يكره أن يتركه لغيره.
فساد الصمت.
أما صفية، فقد دخل عليها الخبر كما تدخل الأخبار التي لا تشق الهواء فقط، بل تشق سنوات كاملة دفعةً واحدة.
لم ترَ فيه الشيخ المجاهد فقط،
بل أباها الذي انتظرها في قلبه حين ظنها الناس ماتت،
والرجل الذي قال عند الباب: صفية؟
ثم ضمها،
والأب الذي أعطاها الأرض والمزرعة،
والشيخ الذي بنى المسجد،
وجدّ الأبناء،
وصوت الوقار في البيت.
جلست حين بلغها الخبر، ولم تصرخ أولًا.
وضعت يدها على فمها كأنها تريد أن تحبس من صدرها انهيارًا كاملًا، ثم سال الدمع من غير صوت.
وقالت بعد زمنٍ بدا طويلًا على من حولها:
— عاد إليّ يومًا بعد موتي… وها هو يمضي اليوم شهيدًا.
ثم بكت.
ولم يدخل خبر استشهاد تقي الدين بيت صفية ليكسره، بل ليصقل فيه شيئًا جوهريًا:
أن الشهادة ليست حادثًا يعطل البناء، بل إحدى الطرق التي يُختم بها البناء الصادق.
وأن الدولة التي لا تقوى على حمل أمواتها الكبار لا تستحق أن تكبر.