كان تقي الدين في هذا الطور من أولئك الشيوخ الذين يصعب على الناس أن يحددوا موضعهم بدقة:
هل هو أبٌ للبيت فقط؟
أم جدٌّ للأبناء؟
أم شيخُ دولة؟
أم رجلُ علمٍ وحكمة؟
أم مقاتلٌ قديم هدّأته السنين؟
والحقيقة أنه كان كل ذلك معًا، وهذا ما جعله أثقل من أن يُحصر في موضع واحد.
لكن قبل أن يعود الخبر، لا بد أن نرى كيف خرج.
لم يكن خروجه خروج شيخٍ يريد أن يثبت لنفسه أنه ما زال قادرًا على الركوب والضرب.
بل كان خروج رجلٍ يعرف أن بعض الرجال إذا منعوا أنفسهم عن الطريق حين يحتاجهم المعنى، ذبلت أرواحهم ولو عاشوا في القصور.
وقد حاول بعضهم ثنيه:
يا شيخ، أنت الآن موضع مشورةٍ،
وأنت أحوج في المجلس منك في الميدان،
والشباب كثير،
ودورك هنا أكبر.
لكنه كان يبتسم ذلك الهدوء القديم، ويقول:
— أعرف موضعي.
ثم يسكت.
وفي ليلةٍ سبقت خروجه الأخير، جلس مع صفية وحدها.
لم تكن جلسة وداعٍ صريح، لكن الأرواح القريبة من الله تعرف أحيانًا أن في بعض الليالي رائحةَ فراقٍ لا تخطئها.
قالت له صفية وهي تنظر إلى يده التي شاخت قليلًا لكنها ما تزال تحمل هيئة الرجال الصلبين:
— لو بقيتَ هذه المرة لكان قلبي أهدأ.
فنظر إليها طويلاً، ثم قال:
— يا ابنتي، لم نربِّ هذا البيت على أن يطلب الرايات ثم يتركها إذا احتاجته.
فسكتت، لأنها تعرف أنه يقول الحقيقة نفسها التي كانت تقولها في بيتها لأولادها.
ثم قالت:
— لكنك لستَ كغيرك.
فقال:
— ولا الطريق هذا كغيره.
ثم أضاف بعد لحظةٍ حنونٍ ثقيلة:
— إن عدتُ، فالحمد لله. وإن مضيتُ، فإني أمضي على شيءٍ أحببته قبل أن تحبيني ابنةً أو أحبك أبًا.
وكانت الجملة من تلك الجمل التي تُحفظ لأنها تجمع بين اليقين والوداع من غير أن ترفعهما إلى الصراخ.
وفي الصباح خرج.
ولم يخرج وحده، بل ومعه تاريخ البيت كله.
خرج وفي عيني عبدالملك احترامٌ لا يقدر أن يخفيه، وفي قلب سعيد خشيةُ الرجال الذين يعرفون قيمة هذا الشيخ أكثر مما يقولون، وفي قلب صفية رجفةُ البنت التي استردت أباها بعد عمرٍ من الضياع ثم جاءت الأيام تطلبه منها من باب الشهادة.