باب من الرواية

الباب الثالث: صفية بين الأم والثغر… كيف بكت ولم تُضعف الرجال

الفصل الثلاثون — الفتح بعد الفقد

لم يكن فقد الإخوة عند صفية فقدًا سياسيًا ولا بطوليًا باردًا.

كان فقدًا حقيقيًا لوجوه عاشت معها في البيت، وأكلت معها من الخبز، وسارت معها من بخارستان إلى البوسنة، وضحكت في المزرعة، ووقفت في مجالس الرحيل، ورأت أبناءها وهم يكبرون.

ولذلك كانت لوعة الدم عندها مركبة:

لوعة الأخت،

ولوعة الأم الكبرى للبيت،

ولوعة المرأة التي تعرف أن البلاد تنظر إلى طريقة بكائها كما تنظر إلى طريقة عبدالملك في حمل الخبر.

جلست في غرفتها بعد أن انفضت أول موجة من الناس، وبقيت معها مريم أمها وفاطمة أم سعيد وبعض نسائها الأقرب.

كان في الغرفة صمتٌ لا يقطعه إلا شهقةٌ تخنقها صفية، أو دعاءٌ تتمتم به مريم، أو دمعةٌ تسقط من غير صوت.

وكانت صفية تبكي، نعم، لكن بكاءها لم يكن بكاء من يحتج على الطريق الذي اختاره، بل بكاء من ذاق ثمرته الأولى المرة.

قالت لها فاطمة أم سعيد:

— ابكي يا ابنتي، فهذا حق الدم.

فقالت صفية، وصوتها مبحوح:

— أبكي… لكنني أخاف أن يراني الأولاد فأعلمهم الخوف بدل الصبر.

فقالت مريم:

— علّميهم أن الدم يوجع، لا أنه يردّ عن الحق.

وهنا تماسك شيءٌ في داخلها.

قامت بعد حين، وتوضأت، وصلت ركعتين طويلتين، ثم جلست إلى أبنائها، وكان بعضهم قد بدأ يسمع الأسماء ويفهم أن البيت فقد رجلًا منه.

نظر إليها عبدالملك بعينٍ تعرف أمه جيدًا، فرأى فيها حزنًا عميقًا، لكنه لم يرَ فيها تراجعًا.

وهذا ما احتاجه في تلك اللحظة أكثر من الكلام.

قالت لهم:

— الشهيد لا يُبكى كما يُبكى من مات على ضياعٍ أو عبث. لكنه يُبكى لأنه غالٍ.

ثم نظرت إلى الوجوه الصغيرة والكبيرة حولها وأضافت:

— لا أريد منكم أن تكرهوا الطريق لأن الدم دخله. أريد فقط أن تعرفوا من اليوم أن الرايات ليست قماشًا يرفرف. هي رجال.

وكانت هذه الجملة نفسها درسًا من دروس البيت الذي يربط الجهاد بالوعي لا بالحماسة فقط.

ومن يومها دخل معنى جديد إلى نفوس الأبناء:

أن الجبل الذي صعدوه مع أبيهم وجدهم يومًا ما،

والفرس الذي أحبوه،

والسيف الذي تدربوا على حمله،

كل ذلك ليس لعبًا نظيفًا فحسب، بل طريقٌ قد يمرّ بالقبر.