باب من الرواية

الباب الثاني: أولى الدماء من إخوة صفية… حين دخل الجهاد البيت من بابه الأقرب

الفصل الثلاثون — الفتح بعد الفقد

كنت قد شددتَ في خط الرواية على أن من حقائق هذا الطور استشهاد إخوة صفية في الجهاد، وأن هذا لا يكون تفصيلًا عابرًا بل جزءًا من نسيج السرد نفسه.

ولذلك لم يكن الفقد الأول الذي خالط الفتوح شيئًا بعيدًا عن البيت، بل جاء من داخل الدائرة الأقرب، من الرجال الذين نشأوا إلى جوار صفية، وحملوا معها ذاكرة بخارستان والبيت الكبير والجبال والمزرعة والهجرة والبوسنة، ثم خرجوا بعد ذلك مع الرايات الجديدة.

كان بعض إخوتها —من أبناء البيت الكبير— قد كبروا في جوٍّ لم يكن يسمح للرجال أن يعيشوا على طرف المجد فقط.

لقد رأوا سعيدًا،

ورأوا عبدالملك،

ورأوا تقي الدين،

وعرفوا أن هذا العهد لا يقوم بقراءة الكتب وحدها ولا بحراسة المساجد وحدها، بل بأن يخرج من البيت رجالٌ يحملون أرواحهم على أكفهم إذا وجب.

وكان بعضهم قد اشتد عوده حتى صار لا يرضى أن يبقى خلف الرايات إذا تحركت.

خرجوا إذن، لا خروجَ متهورين، بل خروجَ من شربوا معنى الدولة قبل أن يشربوا نشوة الحرب.

وكانت صفية، وإن لم تكن تمنعهم، تعرف أن خروجهم ليس كخروج أبناء البيوت العادية.

إنهم ليسوا رجالًا من عامة الناس فقط، بل أبناء البيت الذي تنظر إليه البلاد.

وإذا سقط واحدٌ منهم، لم يسقط فردًا وحسب، بل سقط معه شيءٌ من عاطفة البيت العام.

وفي إحدى الحملات الأولى الكبرى نسبيًا، جاء الخبر.

لم يأتِ صراخًا، ولا دخل القصر في صورة فوضى، بل دخل على هيئة رجلٍ متعب، ووجهٍ يعرف كيف يحمل الخبر الثقيل قبل أن ينطقه، وصمتٍ سبق الاسم.

وكان من أشد ما يوجع في الأخبار العظيمة أن الوجه يفضحها قبل اللسان.

دخل الرسول على عبدالملك أولًا.

قرأه من عينيه، وقبل أن يتكلم الرجل عرف أن شيئًا من البيت قد لُمس.

قال الرسول بصوتٍ خافتٍ مشدود:

— ثبت الرجال يا مولاي… لكن فلانًا استُشهد، وفلانًا جُرح جرحًا شديدًا.

وكان الاسمان من إخوة صفية.

ساد المجلس صمتٌ ثقيل.

لم يكن عبدالملك يومها يملك ترف البكاء الفوري كما تبكي الأمّهات، ولا ترف الانهيار كما يفعل من لا يحملون وراء الخبر جيشًا وبلادًا.

لكنه أحسّ أن الدم الذي كان يتوقعه يومًا ما قد بدأ يدخل العهد من جهةٍ يعرفها جيدًا.

ثم قال، وقد شدد صوته على رغم ما فيه من انكسارٍ داخلي:

— كيف ثبت الصف؟

فأجاب الرجل.

وهنا ظهر أول وجهٍ من وجوه العهد الجديد:

أن الحاكم بكى في قلبه أولًا، لكنه سأل عن الراية قبل أن يسقطها الخبر من يده.

أما صفية، فلما بلغها الاسم، لم تصرخ صراخًا فوضويًا.

أغمضت عينيها طويلًا، ووضعت يدها على صدرها كما لو أن الطفلة المسروقة القديمة فيها عادت لحظةً لتفهم أن الجبر العظيم لا يعني أن الله يمنع الدم عن البيوت المختارة، بل يعني أنه يعطيها القدرة أن تحمل هذا الدم ولا تسقط.

قالت لمريم أمها في تلك الساعة:

— دخل الجهاد بيتنا من بابه الأقرب.

فقالت مريم، وعيناها مليئتان بالدمع والرضا معًا:

— وهل كان يمكن لبيتٍ كهذا أن يطلب الرايات ثم يمنع نفسه عن أثمانها؟

وكانت هذه الجملة من أوجع الحقائق:

أن البيوت العظيمة لا تُعفى من الثمن،

بل كثيرًا ما تُبتلى به أولًا.