باب من الرواية

الباب الأول: السنة التي لم تعد فيها صفية تبني البدايات، بل تحرس النضج

الفصل الثامن والعشرون — السنة الثالثة من حكم صفية

لم تكن السنة الثالثة من حكم صفية سنةً تشبه السنتين السابقتين تمامًا، مع أنها خرجت من رحمهما وارتكزت على ما ثبت فيهما من أوقافٍ ومجالسٍ وشبكات نساءٍ وبيوتٍ بدأت تتنفس بعد طول اختناق.

فالعام الأول كان عام فتح الأبواب،

والثاني كان عام تحويل الرحمة إلى بنيةٍ لها ذاكرةٌ وحساب،

أما الثالث فقد كان شيئًا آخر:

عامَ النضج.

وفي النضج تتغير طبيعة التعب.

لم تعد صفية تقف كل يوم على سؤال: من أين نبدأ؟

بل صارت تقف على سؤالٍ أصعب:

كيف نحفظ ما بدأناه من أن يفسده الاتساع؟

كيف لا يسرق النجاح روحه؟

كيف لا تتحول الأوقاف إلى أوراقٍ باردة بعد أن كانت قلوبًا دافئة؟

كيف لا تصير شبكة النساء عادةً إداريةً تفقد قدرتها على شمّ الوجع؟

وكيف لا تنسى الدولة، وهي تكبر، أنها قامت أصلًا على رتق الشقوق الصغيرة؟

كان هذا هو التعب الجديد.

تعبُ من يدرك أن البناء الصادق لا يهدده الخراب الفج فقط، بل يهدده أيضًا التكلس البطيء، والاعتياد، والبيروقراطية التي تدخل على الأعمال المباركة فتسحب منها روحها باسم التنظيم.

جلست صفية في أول هذه السنة بين دفاتر الوقف، ورسائل القرى، وتقارير النساء، وأخبار الأئمة، وأسماء اليتامى، وبيانات الغلال، ولم تشعر لأول مرةٍ أنها تقف عند باب الإنجاز، بل عند باب الأمانة.

فكل ما صار يعمل الآن في البلاد يمكن أن يفسد لو دخلته يدٌ غير أمينة، أو عينٌ كسولة، أو نفسٌ أحبّت الظهور أكثر من الأثر.

قالت لسعيد في ليلةٍ باردة من أوائل تلك السنة:

— أخاف من هذه المرحلة أكثر مما خفت من البدايات.

فقال:

— ولماذا؟

قالت:

— لأن البدايات يفضحها ضعفها سريعًا، أما الأشياء التي نجحت قليلًا، فقد يقتلها الرضا عنها.

فسكت لحظةً، ثم قال:

— إذن فأنتِ الآن لا تحرسين العمل فقط، بل تحرسين روحه.

فقالت:

— نعم… وهذا أثقل.

وكانت محقة.

فالدولة التي تُفتح أبوابها بالصدق، لا يكفيها بعد ذلك أن يبقى فيها الصدقُ شعارًا، بل لا بد أن يظلّ طريقة عملٍ وحراسةٍ ومراجعة.