باب من الرواية

الباب الثامن: البيت نفسه… الأبناء الذين كانوا يرون الحكم من جهتين

الفصل السابع والعشرون — السنة الثانية من حكم صفية

وفي هذه السنة أيضًا، بدأ أثر البيت الحاكم نفسه يتضح أكثر، لا عند الناس فقط، بل عند الأبناء.

فعبدالملك لم يعد يرى أباه في صورة الرجل الذي خرج إلى مجلس الحكم فقط، بل صار يسمع منه عباراتٍ عن الرجال والثغور والعدل، ثم يسمع بعده أمه تتكلم عن الداخل، والوقف، والنساء، والقرى، والبيوت.

في أحد المساءات، كان عبدالملك جالسًا قريبًا من الباب، يسمع بعض حديث أبيه مع تقي الدين عن رجالٍ يجب ضبطهم في ناحيةٍ من النواحي، فلما دخل على أمه بعد ذلك وجدها تراجع مع إحدى نسائها أمر أرملةٍ ووقفًا لقريةٍ بعيدة.

فقال وهو في السن التي تجمع بين البراءة وبدايات الفهم:

— لماذا يتكلم أبي دائمًا عن الرجال، وتتكلمين أنتِ عن البيوت؟

فنظرت إليه صفية طويلًا، ثم قالت:

— لأن البلاد لا تقوم بجهة واحدة.

فقال:

— أيهما أهم؟

فابتسمت وقالت:

— إذا اختل الرجال سقط ظاهر البلاد، وإذا اختلت البيوت سقط باطنها. وأنت إذا كبرت، فإياك أن تظن أن الباطن أقل خطرًا لأنه لا يُرى.

فسكت، وقد دخلت الجملة في قلبه كما تدخل الأشياء التي يجد فيها الطفل فجأةً معنىً أوسع مما كان يظن.

أما أحمد، فكان ما يزال أكثر حركة من تأمل، لكنه بدأ يرى أيضًا أن البيت الذي يعيش فيه ليس كغيره من البيوت.

وفي مرة قال لمحمد:

— أمي عندها دفاتر أكثر من أبي!

فضحك محمد، ولم يفهم عمق العبارة، أما صفية فلما سمعتها ابتسمت، لأنها عرفت أن الأطفال يلتقطون الحقائق أحيانًا من أطرف الأبواب.

وكانت تحرص ألا تأكل الدولة البيت، كما فعلت في السنة الأولى.

ساعةٌ للصغار،

ومجالس معهم،

وحضورٌ لا يقطعه إلا الضروري،

وتربيةٌ لا تُترك للمربيات أو الخادمات أو الجدات وحدهن، مهما كان فيهن خير.

لأنها كانت تعرف أن أبناء الحكم إن لم يجدوا أمهم في قلب البيت، خرجوا بعد ذلك إلى الناس بنقصٍ لا يصلحه المجد.