باب من الرواية

الباب التاسع: الجزيرة تسمع… لا خبرًا عن سيفٍ، بل عن سيرة

الفصل السابع والعشرون — السنة الثانية من حكم صفية

مع اقتراب النصف الثاني من السنة الثانية، بدأ الخارج يسمع على نحوٍ أوضح.

ولم يكن السمع هذه المرة من طريق الفتح العسكري، ولا من طريق ترهيب الخصوم، بل من طريق السيرة.

كانت تصل إلى البوسنة رسائل، وتخرج منها رسائل.

وما كان يُحكى في بعض المجالس البعيدة، خاصةً نحو الجزيرة، لم يكن أن في البوسنة امرأةً تجلس إلى جانب الحكم فحسب، بل أن في البوسنة بيتًا غريبًا في حسنه:

رجلٌ يعدل،

وامرأةٌ ترتق الداخل،

وأبناءٌ يُربَّون على القرآن والفروسية،

وأوقافٌ تتسع،

ونساءٌ يجدن بابًا،

وقرى بعيدةٌ لا تُنسى.

وفي إحدى الليالي، جاء كتابٌ من جهة بعيدة في الجزيرة، لا يحمل طلبًا سياسيًا صريحًا، ولا تذللًا، بل نبرة احترامٍ واستفهامٍ عن بعض ما يجري في البوسنة.

قرأه سعيد، ثم أعطاه لتقي الدين، ثم قال لصفية:

— لم يعودوا ينظرون إلينا كبلدٍ منكسر يُرثى له فقط.

فقالت:

— لأن الداخل إذا انتظم، تبدل وجه البلاد من بعيد.

فقال تقي الدين:

— والناس في الخارج لا يرون كل شيء، لكنهم يشمون رائحة الصدق إذا كثرت آثاره.

وساد بينهم صمتٌ قصير، لأنهم كانوا يعرفون أن الاحترام الخارجي قد يكون نعمةً إذا جاء في وقته، وقد يكون فتنةً إذا دخل القلب قبل أن يشتدّ عوده.

ولهذا قالت صفية:

— لا أحب أن يسبق الاسم العمل كثيرًا.

فقال سعيد:

— لم يسبقه.

فقالت:

— الحمد لله.

وكان في هذه الرسائل ما يثبت للبلاد نفسها أنها بدأت تخرج من صورة المظلوم الضعيف إلى صورة الموضع الذي يُلتفت إليه لأنه بنى نفسه من الداخل.