كانت السنة الأولى قد أعطت صفية صورةً عامة عن الداخل، أما السنة الثانية فقد كشفت لها شيئًا أدق:
أن العاصمة —أو موضع الحكم— قد توهم أهلها أن البلاد بخير إذا انتظم ما حولهم، بينما تكون الأطراف بعيدةً عن هذا الخير إلا بالأخبار.
ولهذا شددت في هذه السنة على القرى البعيدة.
لا بد أن يعرف الناس فيها أن الدولة لا تراهم أرقامًا في آخر الحساب، ولا أرضًا تؤخذ منها الجباية إذا استقرت، بل بيوتًا لها عند الحكم اسم ووجه ومكان.
رتبت مع نسائها والرسل الأمناء طرقًا لتتبع أحوال القرى الأبعد.
من يصل إليها؟
من يحصي حاجاتها؟
كيف لا تضيع رسائلها في الطريق؟
كيف يراقب صرف الوقف فيها؟
كيف لا يسرق الواسطةُ بينها وبين العاصمة نصيبها؟
وكان هذا بابًا شاقًا، لأن البعد نفسه يفتح للنفوس الضعيفة شهوة السرقة والتقصير.
وفي أحد المجالس، قال رجلٌ عمليٌّ أكثر مما ينبغي:
— يا سيدتي، هذه القرى بعيدة، وجهدها كثير، وأثرها السياسي المباشر قليل.
فنظرت إليه وقالت:
— وهل أقيس الناس بما يعود علينا منهم مباشرة؟
ثم أضافت:
— إذا شعرت القرية البعيدة أن الدولة لا تعرفها إلا حين تريد منها شيئًا، فستبقى بعيدةً ولو كانت على حدود عاصمتك.
وكان الرد قاطعًا بما يكفي ليُغلق باب الحساب البارد.
ولم تمضِ أشهر حتى بدأت تلك القرى تشعر بالأثر.
خبزٌ يصل على انتظام،
طلبةٌ يُذكرون في السجلات،
نساءٌ يجدن من يطرق عليهن قبل أن يضطررن للشكوى،
وأئمةٌ يفهمون أن لهم وراءهم سندًا لا مجرد اسم حاكم بعيد.
قالت لها امرأةٌ جاءت من قرية نائية بعد أن رأت شيئًا من ذلك:
— كنا نظن أن البلاد لا تبدأ إلا من حيث تسكنون.
فقالت صفية:
— بل تبدأ من حيث يظن الناس أنهم لا يُرون.
وكان هذا من أجمل تعريفاتها العملية للعدل.