ليست كل السنوات التي تغير البلاد سنواتٍ تُسمع من بعيد.
بعضها يأتي على هيئة زلزلةٍ سياسية، أو معركةٍ كبيرة، أو فتحٍ يملأ أفواه الرواة، وبعضها —وهو الأخطر والأبقى— يأتي هادئًا من الخارج، كأنه لا يحمل شيئًا استثنائيًا، ثم لا يلبث الناس بعد أعوام أن يكتشفوا أن الأرض نفسها قد تغيّرت في داخله.
وهكذا كانت السنة الثانية من حكم صفية.
لم يدخلها الناس وهم ينتظرون قرارًا واحدًا يقلب الموازين، ولا خبرًا عسكريًا يبدل الخرائط، بل دخلوها والبلاد ما تزال تختبر صدق ما وُعدت به في السنة الأولى.
هل كانت تلك البدايات نزوة حكمٍ جديد يريد أن يكسب القلوب ثم ينشغل عنها؟
أم كانت نواة عهدٍ يعرف أن الداخل إذا لم يثبت، فلن يحمي السيف شيئًا مهما لمع؟
أما صفية، فقد دخلت هذه السنة وفي قلبها فهمٌ جديد خرجت به من السنة الأولى:
أن الإصلاح إذا بقي متعلقًا بشخص صاحبه، أمكن أن يُسرق منه متى غاب أو تعب أو شُغل.
أما إذا صار له شكلٌ، ودفتر، ويدٌ أمينة، ومحاسبة، وذاكرة تحفظه، فإنه ينتقل من باب الفضل الفردي إلى باب البناء الذي يبقى.
ولهذا، لم تكن السنة الثانية عندها سنة كرمٍ أكثر فقط، بل سنة نظامٍ أشد.
ولم تكن سنة قلبٍ أوسع فقط، بل سنة عقلٍ يرتب مواضع الرحمة حتى لا تضيع في الطريق.
وفي أول ليلةٍ من هذه السنة، بعد أن هدأ البيت، وجلست وحدها تقلب بعض السجلات التي صارت أكثر عددًا مما كانت عليه من قبل، أحست أن الأوراق نفسها تغيرت.
في السنة الماضية كانت تحمل شكاوى، وحاجات، وأسماء متفرقة، وأخبارًا من قريةٍ هنا وبيتٍ هناك.
أما الآن، فقد بدأت تتحول إلى خرائط للبلاد من الداخل:
أين ينقص الوقف،
أين يكثر الترمّل،
أين تتعثر البنات في طريق العلم،
أين تضيق أقوات القرى البعيدة،
أين توجد امرأةٌ صالحة تصلح أن تكون عينًا أمينة للداخل،
وأين يوجد رجلٌ صالح يفسد ما فيه من خير إن تُرك وحده بلا من يبلغه حقيقة البيوت.
دخل سعيد عليها فرآها شاردةً في السجلات، فقال:
— ما بالك تنظرين إليها كأنك تقرئين وجوهًا لا أوراقًا؟
فقالت:
— لأني صرت أفعل.
ثم رفعت أحد الدفاتر وأضافت:
— هذا ليس دفترًا يا سعيد. هذه قريةٌ كاملةٌ تنام على ظنٍّ أن أحدًا لا يعرفها، ثم تكتشف أن لها عندنا اسمًا وحاجةً ومكانًا في الحساب.
فابتسم، وقال:
— إذن فقد بدأت الدولة تدخل البيوت حقًا.
فقالت:
— بل بدأت تعرف أن البيوت هي التي تحملها أو تسقطها.