باب من الرواية

الباب الرابع: الأطفال خارج الستار… كيف تعلّمت السلالة الأولى معنى الانتظار

الفصل الرابع والعشرون — ولادة فاطمة في البوسنة

في الطرف الآخر، كان الأطفال يعيشون ليلتهم على نحوٍ مختلف بحسب أعمارهم.

ولم يكن الأطفال في هذا البيت أطفالًا منعزلين عن المعنى، حتى لو لم يفهموا كل تفصيله.

لقد تربوا منذ بخارستان على أن الحياة ليست لعبًا فقط، بل فيها انتظارٌ وصبرٌ وصلاةٌ ووجوهٌ يتغير لونها لأن شيئًا كبيرًا يقع في الداخل.

عبدالملك كان أكبرهم وعيًا.

لم يكن رجلًا صغيرًا بعد، لكنه لم يعد ذلك الطفل الذي يُلهى بلقمة أو لعبة إذا اضطرب البيت.

كان يعرف أن أمه تتألم، ويعرف أن هذا الألم يأتي بعده خير، وإن لم يفهم تفاصيل الخير.

جلس إلى جوار جده تقي الدين، وكان يكثر النظر إلى جهة النساء، ثم يسأل قليلًا ويسكت أكثر.

أما أحمد، فكان كعادته أكثر حركةً في السؤال:

— هل ستولد الآن؟

— هل ستكون بنتًا حقًا؟

— لماذا يتعب الناس إذا أرادوا أولادًا؟

وكانت أسئلته تجعل بعض النساء يبتسمن على رغم التوتر، لأن الأطفال يفتحون بنصف الجهل ما لا يفتحه الكبار بكامل المعرفة.

ومحمد ومريم كانا على تخوم الفهم واللعب، يقتربان من بعض الوجوه ثم يتراجعان، ويشعران أن في الجو توترًا فينخفض ضحكهما من غير أن يعرفا السبب.

أما عبدالله، فكان أكثرهم ميلًا إلى الصمت في تلك الليلة، يجلس قريبًا من أبيه أو جده، وينظر بعينين مفتوحتين لا تسألان كثيرًا، لكنها تخزنان كل شيء.

وخديجة وعائشة التصقتا بثوب مريم قليلًا، ثم نامتا من التعب.

وكان مشهدهما وهما نائمتان في موضعٍ جديد تحت سماء جديدة، بينما أمهما تلد في الجهة الأخرى، من أكثر المشاهد رقةً في تلك الليلة.

كأن الله أراد أن يجمع في موضعٍ واحد بين براءة النوم، وهيبة الولادة، وتاريخ الانتقال.

قال أحمد لعبدالملك وهو يقترب منه همسًا:

— إذا كانت بنتًا، فهل سنعطيها قوسًا مثل قوسك الخشبي؟

فنظر إليه عبدالملك في شيءٍ من الجدية التي بدأت تظهر فيه باكرًا، وقال:

— أولًا ننتظرها.

فسمع تقي الدين الجملة، والتفت إليه في دهشةٍ محببة، ثم قال:

— أحسنت.

فلم يزد عبدالملك شيئًا، لكنه شعر بشيءٍ من الرضا في داخله.

وكانت هذه من البدايات الصغيرة التي سيكبر منها طبعه لاحقًا.