باب من الرواية

الباب الثالث: سعيد… الرجل الذي فهم أن البلاد تبدأ من غرفة ولادة

الفصل الرابع والعشرون — ولادة فاطمة في البوسنة

أما سعيد، فلم يكن في الخارج كغيره من الرجال الذين ينتظرون خبر الولادة على هيئة خبرٍ عائليٍّ فقط، بل كان يشعر أن الليلة تمسّ مشروعه كله.

ليس لأن الدولة تبدأ من طفلٍ بالمعنى السياسي المباشر، بل لأن الرجل الذي يريد أن يبني بلدًا على المعنى لا يستطيع أن يفصل بين البيت والمشروع، بين الرحم والأرض، بين الولادة والقيام.

كان يمشي خارج موضع النساء في دائرةٍ صغيرة، ثم يقف، ثم يعود، ثم يرفع رأسه إلى السماء قليلًا، ثم يخفضه.

لم يكن مذعورًا، لكنه كان متيقظًا بكليته.

فكل ما في الليلة كان يذكّره أن البوسنة لم تعد فكرةً في المجالس، ولا طريقًا على الخرائط، بل صارت الآن تختلط بدم العائلة وولادة البنات وصوت الصغار النائمين وخوف الأمهات.

جاءه تقي الدين، ووقف إلى جواره صامتًا أول الأمر.

ثم قال:

— الليلة تتعلم شيئًا جديدًا.

فقال سعيد:

— ما هو؟

قال:

— أن البلاد تبدأ أحيانًا من غرفة ولادة لا من قاعة حكم.

فنظر إليه سعيد نظرةً طويلة ثم قال:

— وهذا ما كنتُ أشعر به ولا أجد له عبارة.

فقال تقي الدين:

— خذها مني إذن.

ثم سكتا.

وكانا من الرجال الذين لا يكثرون الحديث إذا عظمت اللحظات.

لكنّ قلة كلامهما لم تكن فراغًا، بل امتلاءً.

وفي لحظةٍ بعد قليل، سمعا من الداخل حركةً، فاقترب سعيد خطوةً ثم وقف.

لا يريد أن يخرق للنساء سترهن، ولا يريد في الوقت نفسه أن يكون بعيدًا إذا احتاجت صفية شيئًا.

فخرجت فاطمة أم سعيد قليلًا، وقالت له بهدوء:

— الألم اشتد.

فقال:

— هل تحتاج شيئًا؟

قالت:

— الدعاء فقط.

فعاد إلى مكانه، ورفع يديه.

وكان دعاؤه تلك الليلة مختلفًا عن دعائه في ولادات بخارستان.

في تلك الولادات كان يدعو لامرأته وطفله وبيته.

أما هنا، فكان يدعو لذلك كله ومعه شيءٌ آخر:

أن يجعل الله هذه البنت فاتحة خيرٍ على الأرض الجديدة، وأن لا يجعل أول ليل البوسنة على بيته ليل انكسار.