باب من الرواية

الباب الثاني عشر: أول تأسيس… البيوت، والمسجد، ومواضع الفروسية

الفصل الثالث والعشرون — الخروج من بخارستان إلى البوسنة

بعد أن هدأت فاطمة، واطمأن قلب الأم عليها، وبدأت الأسرة تلتقط أنفاسها الأولى في البوسنة، دخلت مرحلة التأسيس الفعلي.

وهنا لم يبطئوا.

فقد كانت الرؤية جاهزة قبل الوصول، وما إن وُضع أول وتدٍ في الأرض حتى صار كل شيءٍ يعرف مكانه:

البيت الرئيسي في الموضع الأعلى قليلًا،

بيوت الأقربين حوله بحيث يبقى التلاحم ولا يضيع الخصوص،

المسجد في القلب كما أراد تقي الدين،

مواضع الزرع والرعي حولها،

وجانبٌ واسع يُهيأ للخيل وللتدريب.

وكان سعيد يقول:

— لا أريد لمواضع الفروسية أن تكون بعيدة عن المسجد.

فيقول بعض الرجال:

— ولمَ؟

فيقول:

— حتى لا يظن الأولاد يومًا أن السيف يمكن أن ينفصل عن القبلة.

وكان هذا الجواب وحده منهجًا.

أما صفية، فقد بدأت من جهتها ما كانت تعرف أنه دورها في البوسنة:

تنظيم الداخل،

استقبال النساء اللواتي يأتين بالسؤال أو بالحاجة،

ترتيب الطعام والدواء،

تخفيف وحشة بعض الأسر المسلمة التي بدأت تتعرف إلى هذه العائلة الوافدة،

وصنع صورةٍ للمكان تقول من أول يوم:

إن الرحمة هنا ليست زينةً بعد القوة، بل أصلًا من أصولها.

وكانت مريم إلى جوارها، وفاطمة أم سعيد معها، وبنات البيت من حولها، حتى صار البيت الجديد بسرعةٍ موضعَ دفءٍ لا موضع سكن فقط.

أما الأطفال، فقد بدأوا يكتشفون البوسنة على طريقتهم:

عبدالملك يطيل الوقوف عند الأطراف ويراقب الرجال وهم يحددون مواضع البناء،

أحمد يسأل عن كل شيء،

محمد ومريم يركضان بين الحشائش،

عبدالله يتعلق بصوت أبيه وجده حيث تحركا،

وخديجة وعائشة تنظران بدهشةٍ إلى هذا الاتساع الجديد،

وفاطمة في القماط، تنام على إيقاع تأسيسٍ لم تدركه بعد، لكنه سيدخل في لحم عمرها منذ اللحظة الأولى.

وهكذا انتهى فصل الخروج من بخارستان إلى البوسنة:

لا بانتقال عائلةٍ من بلدٍ إلى بلد،

بل بتحول بيتٍ نجا وبُني في بخارستان إلى نواة مشروعٍ كامل في البوسنة؛

مشروعٍ يبدأ بالمزرعة الكبرى،

والبيوت،

والمسجد،

ومواضع التعليم والفروسية،

والإغاثة،

وبناء الثقة في الناس قبل بناء السلطة عليهم.