باب من الرواية

الباب الحادي عشر: فاطمة… البنت التي فُتحت بها صفحة البوسنة

الفصل الثالث والعشرون — الخروج من بخارستان إلى البوسنة

ولم يكدوا يطمئنون إلى موضع النزول الأول، ويهيئون ما يلزم من الراحة المؤقتة، حتى جاء وقت فاطمة.

اشتد الألم على صفية على نحوٍ لم يعد يحتمل التأجيل.

وصار واضحًا أن البنت التي حملتها من بخارستان أرادت أن ترى النور هنا، في هذه الأرض الجديدة، لا في الطريق بينها وبين موطنها الأول.

اجتمع حولها البيت كله على طريقته.

مريم عند رأسها،

وفاطمة أم سعيد عند يدها،

وسعيد قريبٌ يثبت العالم من الخارج كي لا يضطرب من الداخل،

وتقي الدين يملأ الليل دعاءً وسكونًا.

أما الأطفال، فقد أُخذوا إلى جهةٍ أخرى من المكان، لكن عبدالملك ظل يسأل بصوتٍ خفيض:

— هل أمي تتألم؟

وكان كل من يجيبه يقول له:

— نعم، لكن الألم يخرج منه الخير.

وكانت هذه من أول الدروس التي دخلت قلبه الصغير عن معنى الولادة والمعنى.

طالت الساعات قليلًا، ثم خرجت البنت.

وجاءت صرختها الأولى في البوسنة كأنها ختمٌ على الفصل كله.

لقد بدأت في بخارستان،

وسارت بين الطريقين،

ثم وُلدت هنا.

وبذلك صارت فاطمة بنت الانتقال، وآخر العقد الأول من الأبناء، وأول من فتح عينيه في هذه الصفحة الجديدة من التاريخ الأسري.

دخل سعيد بعد قليل، ونظر إليها ثم إلى صفية التي بدا على وجهها تعبٌ عظيم وسكينةٌ أعظم.

وقال:

— الحمد لله.

فقالت صفية، وصوتها خافت لكنه ثابت:

— قلت لك… كانت تعرف بابها.

فابتسم، وأخذ البنت، وأذّن في أذنها.

وكان الأذان في تلك اللحظة أشبه بإعلانٍ آخر:

أن البوسنة لم تستقبل اليوم أسرةً فقط، بل استقبلت مولودةً ستنشأ من أول لحظةٍ في أرض المشروع.

وسمَّوها فاطمة.