في الليلة السابقة لتحرك القافلة، عقد سعيد وتقي الدين مجلسًا أخيرًا مع الرجال الأقرب إليهما في الفهم والعزم.
لم يكن مجلس تعبئةٍ عاطفية، بل مجلس تحديد وجهة العمل عند الوصول.
وهنا خرجت فلسفة المرحلة الجديدة بأوضح صورها.
قال سعيد:
— أكررها مرةً أخيرة: نحن لا نذهب لنرفع رايةً فوق رؤوس جياع ثم نتركهم جياعًا.
وقال تقي الدين:
— ولا لنملأ الساحات خطبًا ثم نترك القرى خربةً والمدارس خاليةً والمساكين بلا ظهر.
وقال أحد الرجال:
— إذن بماذا نبدأ؟
فقال سعيد:
— نبدأ بالناس قبل الاسم الكبير.
— كيف؟
— بالمزرعة، والخبز، والعلم، والتحالف، والإغاثة، وفتح مواضع التعليم، وبناء الثقة، وإعداد الرجال للفروسية، وربط ذلك كله بالمسجد.
وقال تقي الدين:
— ومن أراد دولةً بغير مجتمع، فقد أراد سرابًا.
أما صفية، فلم تكن خارج هذا الفهم، بل كانت تعرف أن البوسنة ستحتاج منها ضلعًا لا يقل أهمية عن ضلع الرجال.
فإذا كان سعيد وتقي الدين يحملان رؤية البناء العام، فإنها هي كانت تعرف أن ثغورها ستكون في البيوت، وفي النساء، وفي الأيتام، وفي الجرحى، وفي تحويل الرحمة المنظمة إلى مؤسسة لا إلى نوبات عطفٍ عابرة.
وكان هذا من معدنها منذ البداية:
أنها لا تدخل المشروعات الكبرى من باب الزينة، بل من باب الروح.
وفي آخر المجلس، قال تقي الدين لسعيد:
— إن نجحنا في كسب قلوب الناس قبل سيوفهم، قامت لنا في البوسنة دولةُ معنى قبل أن تقوم دولةُ حكم.
فقال سعيد:
— وهذا هو الذي نريده.