لم تكن الأيام الأخيرة في بخارستان حزينةً حزن الفقد، ولا فرحةً فرح البداية الخالصة.
كانت من ذلك النوع المركب الذي يزور البيوت إذا اكتمل فيها طورٌ كامل، وعرفت الجدران أن أهلها سيغادرونها لا زهداً فيها، بل لأن الحياة نفسها تدعوهم إلى فصلٍ آخر.
كانت صفية تمشي في المزرعة، وتنظر إلى الأشجار التي شهدت رضاعاتها الأولى، وإلى المسجد الصغير الذي سمع تلاوات عبدالملك الأولى، وإلى الساحة التي تعثر فيها أحمد وهو يجري خلف أخيه، وإلى الزاوية التي جلست فيها تحمل محمدًا ومريم معًا، وإلى الباب الذي علّقت عنده أول قوسٍ خشبي لعبدالله، وإلى الموضع الذي كانت تجلس فيه خديجة وعائشة عند قدمي الجدة مريم.
وكان كل حجرٍ من البيت يملك في ذاكرتها حادثةً، وكل زاويةٍ من الساحة تحفظ مشهدًا، حتى شعرت أن المكان لم يعد خارجيًا، بل صار في لحمها حقًا.
وفي عصرٍ من تلك الأعصار، خرجت وحدها إلى المسجد الصغير بعد أن نام بعض الأطفال وانشغل بعضهم الآخر مع تقي الدين في طرف الساحة.
صلت، ثم جلست عند الباب طويلًا.
كانت يدها على بطنها، وفي داخلها فاطمة، بينما عينها على جدار المسجد الذي شهد أول مراحل الأسرة.
وقالت في سرها:
— يا رب، لا تجعل هذا الرحيل كسرًا على المكان، بل زيادةً في معناه.
ولم تكن تكلم الجدران هذه المرة كما كلمتها يوم خرجت إلى المدينة لتلد عبدالملك، بل كانت تكلم التاريخ القصير الذي صنعوه هنا.
تاريخًا بدأ ببيتٍ يُبنى ومزرعةٍ تُسقى وأطفالٍ يولدون، ثم ها هو يُطلب منه أن يتحول إلى مشروع أوسع.
وفي المساء، جاء يونس الحارس العجوز، وكان قد عرف من حركة البيت ما يكفي لفهم الخبر قبل أن يُقال له.
وقف عند باب الساحة وقال:
— أحقٌّ ما سمعته؟
قال سعيد:
— وما الذي سمعت؟
قال يونس:
— أنكم سترحلون إلى البوسنة.
فسكت سعيد قليلًا ثم قال:
— نعم.
فأطرق العجوز، ثم قال:
— كنت أعلم أن هذه الأرض ليست آخر خطاكم… لكنها كانت تحتاج أن تتشرف بمروركم أولًا.
ثم نظر إلى الأطفال الذين كانوا يركضون في طرف الساحة، وقال:
— هؤلاء لم يعودوا يشبهون أول يوم جئتم.
فقال سعيد:
— ولا نحن.
فابتسم يونس ابتسامةً حزينةً جميلة، وقال:
— إذن فاحملوا ما زرعتم هنا، ولا تتركوه في بخارستان.