كبر عبدالملك في شهوره الأولى على إيقاعٍ خاص.
لم يكن البيت يرفعه من حضنٍ إلى حضن كما يحدث في البيوت المترفة وحدها، بل كان كل انتقالٍ له بين الأيدي مصحوبًا بمعنى.
فإذا حملته مريم قرأت عليه آياتٍ مما تحفظ، ومسحت على رأسه بكفٍّ تعرف كيف تهدئ القلوب قبل الأطفال.
وإذا حملته فاطمة أم سعيد، حكت له بصوتٍ خافتٍ حكاياتٍ لا يفهمها هو، لكن روح البيت كانت تفهمها، عن الرجال الذين ينشؤون على القبلة فلا يتيهون، وعن النساء اللواتي يُخرجن الأبطال من بين الدعاء والصبر.
وإذا أخذه سعيد، مشى به إلى طرف المزرعة وقت الشروق، يريه الضوء وهو يهبط على العشب، كأن الأب منذ الآن يريد أن يجعل أول ذاكرةٍ تسكن جسد ابنه ذاكرةً مرتبطةً بالأفق.
أما صفية، فكانت ألين الناس عليه، لكنها لم تكن لينةً إلى حد الإفساد.
كانت تعرف من جوعها القديم إلى الحنان أن الطفل الذي لا يُحَبُّ في أول عمره يصير في روحه شيءٌ خشن حتى لو ابتسم.
لذلك كانت تحمله طويلًا، وتغني له أحيانًا بكلماتٍ ليست أغنياتٍ معروفة، بل أدعيةً موزونة خرجت من قلبها وحده:
— يا نور عيني، يا أوّل الستر، يا ابن الطريق الذي طُهِّر، يا من جئت بعد عسرٍ طويل، اجعلك الله من أهل الثبات…
وكانت كلماته تخرج بسيطة، لكنها تبقى في هواء الغرفة كأنها طلاءٌ غير مرئي على الجدران.
وحين اشتدّ عوده قليلًا وصار يفتح عينيه طويلًا ويتتبع الضوء، قالت صفية لمريم مرةً:
— أشعر أنه لا يشبه الأطفال في نظرته.
فقالت مريم:
— كل أمّ ترى ولدها هكذا.
فقالت صفية:
— لا، أقصد شيئًا آخر… كأنه يحدق في الأشياء كما لو كان يحاول فهمها.
فابتسمت مريم وقالت:
— وهذا أيضًا مما تقوله الأمهات.
ثم صمتت لحظةً وأردفت بنبرةٍ أقل مزاحًا:
— لكن بعض الأطفال يمرّ فيهم من الوقار شيءٌ باكر، نعم.
وكان تقي الدين يأخذه أحيانًا إلى المسجد الصغير بعد الفجر.
لا لشيءٍ يمكن للرضيع أن يفهمه، بل لأن الجد كان يقول:
— الطفل لا يعقل المواضع بعقله أولًا، بل بجسده. فإذا اعتاد جسده السكينة قبل أن يعتاد الضجيج، كان ذلك خيرًا له.
فيجلس به عند باب المسجد، ويقرأ شيئًا من القرآن بصوتٍ خفيض.
وكان عبدالملك يهدأ على نحوٍ عجيب كلما سمع ذلك.
فإذا عاد به، قالت صفية:
— ماذا فعلت به حتى نام؟
فيقول تقي الدين:
— لم أفعل شيئًا… المسجد هو الذي فعل.
وكان هذا أول غرسٍ في ولدٍ سيكبر بعد ذلك على غير ما يكبر عليه أكثر الأطفال.