لذلك لم يكن خروج عبدالملك إلى الدنيا مجرد ولادة طفلٍ أول في بيتٍ استردّ النسب والحب والأرض.
بل كان أيضًا ولادةً على طريقٍ نُظِّف قبله.
كأن الله لم يشأ أن يضع أول قدمٍ من أقدام السلالة المقبلة في دنيا ما يزال فيها الخيط الأسود مشدودًا كما كان،
بل شاء أن ينقطع أولًا،
أن تتفكك اليد التي حاكته،
أن يأكل الشر أهله،
وأن يصل الوليد إلى عالمٍ بدأ يتنفس بعد اختناقٍ طويل.
وفي تأمل هذا المعنى شيءٌ عظيم:
فعبدالملك، الذي سيكبر لاحقًا على الفروسية والهيبة والعدل، لم يبدأ رحلته في جوٍّ محايد،
بل بدأها بعد تطهيرٍ سابق،
بعد أن انكسرت الحلقة التي أرادت قبل سنوات أن لا تصل أمه أصلًا إلى اسمها، فضلًا عن أن تصل إلى أمومتها.
ولذلك، حين حمله سعيد بين يديه أول مرة، لم يكن يعلم تفاصيل ما جرى في تلك الجهة المظلمة، لكنه كان يشعر بشيءٍ قريب منه.
يشعر أن الهدوء الذي نزل على البيت ليس هدوء ولادة فقط، بل هدوء انقضاء معركةٍ أيضًا.
وكانت صفية، وهي تضم ولدها، تحس ذلك من غير أن تترجمه كله:
أن شيئًا قديمًا انتهى،
وأن هذا الطفل لم يأتِ ومعه عبءُ الحلقة السوداء،
بل جاء بعدها.
وهكذا يغلق هذا الفصل بابه لا على انتصارٍ صاخب، بل على عدالةٍ هادئة:
لم تذهب صفية لتثأر بيدها،
ولم تحتج أن تتعقب كل خصمٍ في مخبئه،
ولم ينتصر بيتها بأن صار أشد بطشًا من أعدائه،
بل انتصر لأن الله ثبّت ما فيه من حق، ثم ترك الباطل يتفكك بأهله.