ومع تقدم حمل صفية، واقتراب موعد عودتها إلى المدينة ثم ولادتها، كانت الحلقة السوداء قد دخلت طورها الأخير.
لم يعد بينهم من يفكر حقًا في خطةٍ جديدة، لأن الخوف أضعف من أن يبني، وإن كان قويًا في الهدم.
صاروا يعدّون الغائبين:
فلانٌ انقطع،
وفلانة سقطت في مرضها واضطرابها،
والعجوز ذوى وانطفأ،
والأخت الكبرى صارت مشغولة بحربها مع نفسها والناس،
وذاك الرجل خسر الجميع،
وآخرون تفرقوا، أو هربوا، أو خافوا أن يقتربوا من الماضي أصلًا.
وفي لقاءٍ أخير جمع ما تبقى منهم، لم يعد المجلس يشبه المجالس الأولى.
كان أقل عددًا، وأخفض صوتًا، وأشد بؤسًا.
لا وجوه المنتصرين، ولا نبرة الواثقين، ولا حتى تكلف القوة الذي كانوا يحسنونه.
فقط بشرٌ أكلتهم نياتهم.
قال واحدٌ منهم، وكان يبدو أكبر من عمره بعشر سنين من أثر الرعب:
— انتهى الأمر.
فقال آخر بحدةٍ خافتة:
— لا تقل هذا.
قال الأول:
— بل أقول الحقيقة. انتهى الأمر يوم صارت بين أهلها، ثم صار لها بيت، ثم حملت. نحن الآن لا نفعل شيئًا إلا انتظار ما سيقع علينا.
فقال ثالث، وقد خارت مقاومته:
— إذن ليذهب كلٌّ في حاله.
وهذه الجملة كانت شهادة الوفاة الحقيقية.
لأن الجماعة التي تُبنى على الشر تموت حين يتخلى أفرادها عن وهم “النحن”.
فما الذي بقي بعد أن صار كل واحدٍ يريد النجاة وحده؟
لا شيء.
خرجوا متفرقين.
ولم يجتمعوا بعد ذلك اجتماعًا يملك أثرًا.
بعضهم مات قبل أن يفهم كيف انكسر،
وبعضهم عاش بقية عمره كسير الروح مطاردًا بما يعرف،
وبعضهم ذاب في حواشي الحياة حتى لم يعد يُذكر إلا على هيئة مثالٍ سيئ،
وبعضهم أصابه من الفضيحة ما يكفيه.
لكن الجامع بينهم واحد:
أنهم لم يبقوا قوةً قائمة.
وهكذا، بينما كانت صفية تدخل ليل المدينة لتلد عبدالملك، كان أولئك الستة عشر قد دخلوا ليلهم الأخير كحلقة.
لم يبقَ منهم جيشُ ظلّ، ولا تدبيرُ أذى، ولا مجلسُ كيد.
صاروا بقايا متفرقة، يختلفون، ويتآكلون، وينطفئون.
أن الخلافات تنشب بينهم أثناء حمل صفية بعبدالملك، وأنهم يتساقطون واحدًا بعد آخر، حتى تنتهي العصابة كلها قبل ولادته.