وفي الحلقة رجلٌ لم يكن أذكى القوم، لكنه كان أشدهم يقينًا بأنه أذكاهم.
من أولئك الذين يظنون أن الحياة صفقةٌ طويلة، وأن النجاة ليست في الحق، بل في اختيار اللحظة المناسبة لبيع الشريك قبل أن يبيعك.
وكان هذا الرجل قد جمع من الأسرار ما يجعله خطرًا على الجميع، لكنه لم يجمع من الشرف ما يجعله يحفظها لوجهٍ غير مصلحته.
حين رأى المجلس يتفكك، والنساء يتكلمن، والعجوز يضعف، والأخت الكبرى ترتبك، قال في نفسه:
هذه فرصتي.
بدأ يلمّح من بعيد إلى أنه مستعد لقول شيءٍ إن احتاج الأمر، لكنه كان يريد أن يشتري بهذا التلميح أمانًا لنفسه أولًا، ومالًا ثانيًا، ومخرجًا ثالثًا.
ولذلك راح يتقرب من بعض الأطراف بكلامٍ مزدوج، لا هو اعترافٌ صريح، ولا هو وفاءٌ لأهل حلقته.
لكن من باع مرةً لا يُشترى بثقة.
وقد أخطأ حين ظن أن الجميع مثله في سذاجة الحساب.
دعاه اثنان ممن بقي من أهل الشر إلى لقاءٍ هادئ في ظاهرِه، وقالا له إنهما يريدان أن “يرتبا الأمور”.
فذهب مزهوًا بما يظن أنه دهاء.
وجلس معهم، ثم قال من أول الحديث كلامًا ملتوياً عن ضرورة “التخفف من الأثقال” و”إنقاذ ما يمكن إنقاذه” و”ألا يضحي الإنسان بنفسه لأجل أحد”.
وكان يقصد بالطبع أن أول ما ينبغي التخلي عنه هم الآخرون.
فنظر أحد الرجلين إليه طويلًا، ثم قال:
— إذن فأنت مستعد لبيع الجميع؟
فقال، وقد ظن أنه يُظهر حكمة:
— الحكيم لا يغرق مع السفينة.
فقال الثاني ببرود:
— لكن الحكيم لا يعلن على ظهرها أنه أول الهاربين.
ومنذ تلك اللحظة، عُزل عنهم.
لم يعودوا يثقون به، ولم تعد الجهات الأخرى تثق به أيضًا، لأنه اشتهر بأنه رجلٌ يبيع الشركاء.
فصار منبوذًا من الفريقين معًا، وتلك إحدى النهايات التي يستحقها الطامعون:
أن لا يجدوا بعد طول الحيلة موضعًا يقف معهم حين يسقطون.
ثم خسر ما كان عنده من مالٍ في معاملةٍ فاسدة أخرى، وافتضح في شأنٍ صغير كان يظنه غير مهم، وتفرق عنه من كان يدورون في فلكه، فجلس في آخر المطاف يعدّ خسائره وحده.
وكانت أقسى خسائره أنه لم ينجُ حتى بالمنطق الذي اختاره.
فقد أراد النجاة بالخيانة، فضاعت عليه النجاة والخيانة معًا.