أما العجوز الذي كان أصلًا في خلفيات المشهد القديم، والذي ظل يتصرف لسنوات كأنه حارس السرّ والآمر الناهي في طرقه السوداء، فقد كان أكثرهم غرورًا وأشدهم استهانةً بالعاقبة.
كان يظن أن العمر الطويل يشتري له حصانة، وأن الناس إذا سكتوا قديمًا سيبقون صامتين إلى آخر الدهر، وأن الأسرار إذا دُفنت في أماكن كثيرة يصعب نبشها.
لكنه لم يفهم أن الزمن لا يستر كل شيء، بل أحيانًا يترك الخيط يتمدد حتى يصير أشد وضوحًا.
بدأ ضعفه يظهر أولًا على طريقته في الكلام.
صار يكرر العبارات نفسها، ويتناقض في القصص التي يحكيها، ويغضب إذا سئل عن أمورٍ كان في السابق يجيب عنها بثقة.
ثم أصابه ما أصاب الطغاة الصغار في آخر أعمارهم:
الخوف من النوم.
كان يستيقظ ليلًا على فزعٍ لا يقدر أن يسميه.
يتخيل خطواتٍ في الفناء، ويرى في الظلام وجوهًا يعرف أنها غير موجودة، ويسمع من بعيد بكاء رضيع، فيقوم من فراشه نافضًا يديه كأنه يريد أن يطرد عن نفسه شيئًا عالقًا لا يُرى.
وذات ليلة، دخل عليه أحد أتباعه فوجده يجلس وحده في آخر المجلس، والمصباح قريب الانطفاء، وعيناه غائرتان في وجهه كأنهما لم تناما منذ أيام.
قال له الرجل:
— ما بك؟
فرد عليه العجوز بحدة:
— لا شأن لك.
لكن الرجل لم يخرج، بل قال:
— الناس تتكلم.
فرفع العجوز رأسه بسرعةٍ أفزعته هو قبل أن تفزع غيره، وقال:
— عن ماذا؟
قال الرجل:
— عن القديم.
قال:
— ومن الذي يفتح القديم؟
فقال الرجل في برودٍ مقصود:
— القديم لا يحتاج دائمًا إلى من يفتحه… أحيانًا يتعفن حتى يشق الغطاء وحده.
كانت هذه الجملة إهانةً خفية، لكنه لم يستطع أن يرد عليها بالقوة القديمة.
فهو نفسه كان قد بدأ يشعر أن الهواء من حوله يضيق، وأن الذين خدموه زمنًا لم يعودوا يهابونه كما كانوا.
ثم جاءت الضربة التي لم يتوقعها:
أحد أقرب الناس إليه في شبكته القديمة اختفى عنه أيامًا، ثم ظهر وقد صار يخالط خصومه، لا حبًا في الحق، بل لأن الطامعين يبدلون ولاءاتهم بسرعة إذا شمّوا رائحة السقوط.
وهنا فهم العجوز متأخرًا أن الزمن الذي كان يظنه درعًا صار عليه، وأن السرّ الذي عاش به قد يصير باب موته المعنوي.
ولم يطل به الأمر بعد ذلك.
ضعف، وذوى، وأصابه وهنٌ مركبٌ في النفس والجسد، ثم انطفأ كما تنطفئ المصابيح الخبيثة إذا نفد زيتها ولم يبقَ فيها نورٌ حقيقي من الأصل.
ولم يبكه أحد بصدق.
فالناس قد يخافون الشرير، لكنهم نادرًا ما يحبونه.
وكان موته من أول الدلالات على أن الحلقة السوداء بدأت تفقد رؤوسها.