باب من الرواية

الباب الخامس: توديع البيت والمسجد، والحوار الذي دار بين صفية والجدار نصف المبني

الفصل العشرون — العودة إلى المدينة قبل الولادة

وقبل السفر بيومين، أرادت صفية أن تخرج وحدها قليلًا إلى البيت الجديد.

لم تمنعها مريم، مع أن الحمل كان قد بدأ يظهر أكثر، لأن الأمهات أحيانًا يفهمن أن بعض المشاوير لا يُسعف فيها المنع، بل تكون جزءًا من تهدئة القلب.

دخلت الساحة الداخلية، وكانت رائحة الجصّ الجديد مختلطةً بخشب الأبواب.

وقفت في وسط المكان، وأدارت نظرها في الغرف التي لم تكتمل مفارشها ولا زينتها، لكنها اكتملت في خيالها منذ وقت.

ثم مشت إلى المسجد الصغير، فتوضأت من ماءٍ جُلب قريبًا، ودخلت فصلت ركعتين طويلتين.

وحين فرغت، لم تقم فورًا.

جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الجدار، ثم وضعت يدها على بطنها وقالت همسًا كأنها تكلم الطفل والبيت في آن:

— اسمع يا صغيري… هذا بيتك قبل أن تراه، وهذا مسجدك قبل أن تخطو إليه، وهذه الأرض التي ستجري عليها يومًا. لا تنسها إذا كبرت.

ولم يكن في المشهد أحد، لكنها شعرت أن الجدران تحفظ، وأن البيوت إذا خوطبت بمثل هذا الصدق، بقي فيه من الكلام شيء.

ثم قامت، ومشت إلى الغرفة التي اتفقت مع سعيد أن تكون لهما.

وقفت عند النافذة، ونظرت إلى السهل، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ فيه شيءٌ من المزاح الحزين:

— لا تغضبوا مني إن غبت قليلًا.

وكان الخطاب موجّهًا إلى الغرف، وإلى الأشجار، وإلى الباب، وإلى الموضع كله.

وفي أثناء خروجها، لقيت آية بنت عماد الدين، وكانت قد جاءت تحمل لها قطعة قماشٍ ناعمة.

فقالت آية وهي تبتسم:

— وجدتكِ تكلمين البيت وحدك.

فاحمرّ وجه صفية قليلًا، وقالت:

— هل سمعتِ؟

فقالت آية:

— لا. لكنني لو كنتُ بيتًا وبُنيتُ لكِ بعد كل هذا العمر، لغضبتُ إن لم تكلميني.

فضحكت صفية، وكانت من الضحكات النادرة التي تخفف عن المرأة ثقل الأشهر الأولى، ثم قالت:

— يبدو أنكِ تفقهين في البيوت أكثر من البنّائين.

فقالت آية:

— البيوت لا تفهمها المطارق وحدها، بل القلوب أيضًا.

ثم أعطتها القماش وقالت:

— هذا لصغيرك… خيطته لكِ البارحة.

أخذته صفية، وتأملت نعومته، وشعرت أن الأمومة بدأت تأتيها من كل جهة: من أمها، ومن أم سعيد، ومن أختها، ومن البيت، ومن الرحلة نفسها.