أما تقي الدين، فكان أكثرهم صمتًا في ظاهر الأمر، لكنه كان في الحقيقة أعمقهم اتصالًا بهذا السفر.
لم يكن يراه مجرد انتقالٍ لابنته وابنها القادم إلى موضع أنسب للولادة، بل كان يراه مشهدًا أخيرًا في فصلٍ قديم ظنه مفتوحًا إلى الأبد.
في ليلةٍ خرج فيها مع سعيد إلى طرف المزرعة، وكان القمر معلقًا فوق الأشجار على هيئة ضوءٍ هادئ لا يكشف إلا ما يريد، قال له وهو يمشي إلى جواره:
— يا سعيد، ثمة أسفارٌ يكون الإنسان فيها مجرد مسافر، وثمة أسفارٌ يكون فيها شاهدًا على قضاء الله. وهذه الرحلة من الثانية.
فقال سعيد:
— أعلم. ولهذا لم أجادل في الأمر مع أن قلبي معلق بالمزرعة.
فقال تقي الدين:
— وأنا أيضًا قلبي معلق بها. لكن المدينة تنادينا هذه المرة من جهةٍ أخرى.
ثم وقف قليلًا، وأخذ عودًا صغيرًا من الأرض وراح يقلبه بين أصابعه كما يفعل من يريد أن يثبت شيئًا في نفسه قبل أن يقوله.
وقال:
— يوم خرجتُ من المدينة قديمًا كان عندي يقينٌ لا يملك لسانًا. يقينٌ أن ابنتي لم تمت. عشت أعوامًا وأنا أحمل هذا الشيء وحدي، حتى كدت أحيانًا أخاف أن أكون ظلمت نفسي به. ثم جاء الله بها إليّ. أفتظن بعد هذا أنني سأدعها تلد بعيدًا عن الموضع الذي بدأ منه كل شيء؟
قال سعيد بعد صمتٍ احترم فيه ثقل الرجل:
— لا.
فقال تقي الدين:
— أريد أن أرى المدينة وهي تسلّم إلينا حفيدًا من ابنتها التي زعمت يومًا أنها دفنتها.
وكانت الجملة ثقيلةً في الليل حتى لكأن الأشجار نفسها سمعتها.
ثم قال تقي الدين بعد لحظةٍ أخف:
— وأريد لولدها الأول أن يحمل من بركة المدينة ما يعينه على ما هو قادم.
فقال سعيد:
— كأنك ترى له شأنًا من الآن.
فأجاب تقي الدين:
— أنا لا أدعي الغيب، لكن بعض الأطفال يمرّ ظله قبل أن يولد.
ابتسم سعيد لهذه العبارة، ثم قال:
— واسمُه؟
فقال تقي الدين، وقد نظر إلى البعيد:
— الاسم يليق أن يكون كبيرًا.
ثم التفت إليه وأضاف:
— سمعت صفية مرةً تذكر “عبدالملك”.
قال سعيد:
— وأنا سكن قلبي إلى هذا الاسم.
هنا هزّ تقي الدين رأسه ببطءٍ كأنه يضع الخاتم على جملةٍ لم تعلن بعد، وقال:
— إذن لعله هو.
وهكذا دخل الاسم إلى ليل الرجال قبل أن يخرج رسميًا في مجلس النساء.
وهذا من طبيعة الروايات الكبيرة: أن بعض الأسماء تولد أولًا في الصمت.